أحمد بن محمد القسطلاني
86
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
بركنيتها وافتراضها بالمعنى الذي سميتموه وجوبًا ، فلا زيادة . واختلف المالكية هل تجب الفاتحة في كل ركعة أو الحل ؟ والقولان في المدونة . وشهر ابن شاس الرواية الأولى . قال القاضي عبد الوهاب وهو المشهور من المذهب ، والذي رجع إليه ، هي الرواية الثانية . قال القرافي : وهو ظاهر المذهب قاله بهرام . وحديث الباب لا دلالة فيه على وجوبها في كل ركعة ، بل مفهومه الدلالة على الصحة بقراءتها في ركعة واحدة منها لأن فعلها في ركعة واحدة يقتضي حصول اسم قراءتها في تلك الصلاة ، والأصل عدم وجوب الزيادة على المرة الواحدة . نعم يدل للقائلين بوجوبها في كل ركعة وهم الجمهور قوله عليه الصلاة والسلام : وافعل ذلك في صلاتك كلها بعد أن أمره بالقراءة ، وقوله في حديث أحمد وابن حبان . ثم افعل ذلك في كل ركعة . ولم يفرضها الحنفية لإطلاق قوله تعالى : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ } [ المزمل : 20 ] . فتجوز الصلاة بأي قراءة كانت . قالوا والزيادة على النص تكون نسخًا لإطلاقه ، وذا غير جائز ، ولا يجوز أن يجعل بيانًا للآية ، لأنه لا إجمال فيها ، إذ المجمل ما يتعذر العمل به قبل البيان ، والآية ليست كذلك وتعيين الفاتحة إنما ثبت بالحديث ، فيكون واجبًا إثم تاركه ، وتجزئ الصلاة بدونه . والفرض آية قصيرة عند أبي حنيفة كمدهامتان ، وقال صاحباه آية طويلة أو ثلاث آيات ، وتتعين ركعتان لفرض القراءة لقوله عليه الصلاة والسلام ، القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين ، وتسن في الأخريين الفاتحة خاصة ، وإن سبّح فيهما أو سكت جاز لعدم فرضية القراءة فيهما . لنا قوله عليه الصلاة والسلام : لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ، رواه الإسماعيلي بسند حديث الباب من طريق العباس بن الوليد النرسي ، أحد شيوخ البخاري ، وقوله عليه الصلاة والسلام : لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب ، رواه ابن خزيمة . واستدلّ من أسقطها عن المأموم مطلقًا كالحنفية بحديث : من صلّى خلف إمام فقراءة الإمام له قراءة . قال في الفتح وهو حديث ضعيف عند الحفاظ . واستدلّ من أسقطها عنه في الجهرية ، كالمالكية بحديث : فإذا قرأ فأنصتوا . رواه مسلم ، ولا دلالة فيه لإمكان الجمع بين الأمرين ، فينصت فيما عدا الفاتحة ، أو ينصت إذا قرأ الإمام ، ويقرأ إذا سكت . وعلى هذا فيتعين على الإمام السكوت في الجهرية ليقرأ المأموم لئلا يوقعه في ارتكاب النهي ، حيث لا ينصت إذا قرأ الإمام . وقد ثبت الإذن بقراءة الفاتحة للمأموم في الجهرية بغير قيد ، فيما رواه المؤلّف في جزء القراءة ، والترمذي وابن حبان عن عبادة قال : إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثقلت عليه القراءة في الفجر ، فلما فرغ قال : لعلكم تقرؤون خلف إمامكم ؟ قلنا : نعم . قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب ، فإنه لا صلاة إلاّ بها . ورواة حديث الباب ما بين بصري ومكّي ، وفيه التحديث والعنعنة والقول أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا ، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة . 757 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ وَقَالَ : ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى ، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ( ثَلاَثًا ) . فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ ، فَعَلِّمْنِي : فَقَالَ : إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا " . [ الحديث 757 - أطرافه 793 ، 6251 ، 6252 ، 6667 ] . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن بشار ) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة ( قال : حدّثنا يحيى ) بن سعيد القطان ( عن عبيد الله ) بضم العين ابن عمر العمري ( قال : حدّثني ) بالإفراد ، وللأصيلي : حدَّثنا ( سعيد بن أبي سعيد ) بكسر العين فيهما ( عن أبيه ) أبي سعيد المقبري . قال الدارقطني : خالف يحيى القطان أصحاب عبيد الله كلهم في هذا الإسناد فإنهم لم يقولوا عن أبيه ، ويحيى حافظ ، فيشبه أن يكون عبيد الله حدّث به على الوجهين . قال الحافظ ابن حجر : ولكلٍّ من الروايتين وجه يرجح ، فأما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة ، ولأن سعيدًا لم يوصف بالتدليس ، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة ، ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين ، فأخرج البخاري طريق يحيى هنا في باب : وجوب القراءة . وأخرج في : الاستئذان طريق عبيد الله بن نمير ، وفي : الإيمان والنذور طريق أبي أسامة ، كلاهما عن عبيد الله ليس فيه عن أبيه . وأخرجه مسلم من رواية الثلاثة ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، دخل المسجد ، فدخل رجل ) هو خلاد بن رافع ، جدّ علي بن يحيى بن خلاد ، ( فصلّى ) زاد في رواية داود