أحمد بن محمد القسطلاني
84
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
إلى الكوفة ليحصل الكشف عنه بحضرته ، ليكون أبعد من التهمة ، ( فسأل ) بالفاء ( عنه ) أي عن سعد ، وللأربعة : يسأل عنه ( أهل الكوفة ) كيف حاله بينهم ؟ ( ولم ) بالواو ، وللأصيلي وابن عساكر : فلم ( يدع ) أي : فلم يترك الرجل المرسل ( مسجدًا ) من مساجد الكوفة ( إلاّ سأل عنه ) أي عن سعد ( و ) الحال أن أهل الكوفة ( يثنون عليه معروفًا ) أي خيرًا ( حتى دخل مسجدًا لبني عبس ) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة آخره مهملة ، قبيلة كبيرة من قي ، زاد سيف في روايته ، فقال محمد بن مسلمة : أنشد الله رجلاً يعلم حقًا إلاّ قال . ( فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة يكنى ) بضم الياء وسكون الكاف وفتح النون ( أبا سعدة ) بفتح السين وسكون العين المهملتين ( قال ) وللأصيلي : فقال : ( أما ) بتشديد الميم أي : أما غيري فأثنى عليه ، وأما نحن ( إذ ) أي حين ( نشدتنا ) بفتح الشين ، أي سألتنا بالله ( فإن سعدًا كان لا يسير ) وللأصيلي : فإن سعدًا لا يسير ( بالسرية ) بفتح السين المهملة وكسر الراء المخففة ، القطعة من الجيش والباء للمصاحبة ، أي لا يخرج بنفسه معها ، فنفى عنه الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية ، وفي رواية جرير وسفيان : لا ينفر في السرية ( ولا يقسم بالسوية ) فنفى عنه العفّة التي هي كمال القوة الشهوانية ، ( ولا يعدل في القضية ) أي الحكومة والقضاء ، وفي رواية سيف : ولا يعدل في الرعية ، فنفى عنه الحكمة التي هي كمال القوة العقلية ، وفيه سلب للعدل عنه بالكلية ، وهو قدح في الدين . ( وقال سعد : أما والله ) بتخفيف الميم حرف استفتاح ( لأدعون ) عليك ( بثلاث ) من الدعوات ، واللام كالنون الثقيلة للتوكيد : ( اللهمّ إن كان عبدك هذا كاذبًا ) أي فيما نسبني إليه ( قام رياء وسمعة ) ليراه الناس ويسمعوه فيشهروا ذلك عنه ليذكر به ، وعلق الدعاء بشرط كذبه ، أو كون الحامل له على ذلك الغرض الدنيوي ، فراعى الإنصاف والعدل رضي الله عنه ( فأطل عمره ) في اليونينية بسكون الميم أي : عمره بحيث يرد إلى أسفل سافلين ، ويصير إلى أرذل العمر ، ويضعف قواه وينتكس في الخلق ، فهو دعاء عليه لا له . ( وأطل فقره ) وفي نسخة : وأقلل رزقه ، وفي رواية جرير : وشدد فقره ، وفي رواية سيف : وأكثر عياله . وهذه الحالة بئست الحالة ، وهي طول العمر مع الفقر وكثرة العيال ، نسأل الله العفو والعافية . ( وعرضه بالفتن ) بالموحدة ، وفي نسخة : للفتن ، أي اجعله عرضة لها . وإنما ساغ لسعد أن يدعو على أخيه المسلم بهذه الدعوات لأنه ظلمه بالافتراء عليه . فإن قلت : إن الدعاء بمثل هذا يستلزم تمنّي المسلم وقوع المسلم في المعاصي ، أجيب : بأن ذلك جائز من حيث كون ذلك يؤدي إلى نكاية الظالم وعقوبته ، كتمني الشهادة المشروع ، وإن كان حاصله تمني قتل الكافر للمسلم وهو معصية ، ووهن في الدين . لكن الغرض من تمني إلشهادة ثوابها لا نفسها ، وقد وجد ذلك في دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، كقول نوح : { وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالاً } [ نوح : 24 ] . وإنما ثلث عليه الدعوة لأنه ثلث في نفي الفضائل عنه ، لا سيما الثلاث التي هي أصول الفضائل كما مرّ ، والثلاث تتعلق بالنفس والمال والدين ، فقابلها بمثلها . فبالنفس ، طول العمر ، وبالمال : الفقر ، وبالدين : الوقوع في الفتن . ( قال ) عبد الملك بن عمير ، كما بينه جرير في روايته ( وكان ) بالواو ، ولأبوي الوقت وذر والأصيلي : فكان ( بعد ) أي فكان أبو سعدة بعد ذلك ( إذا سئل ) عن حال نفسه ، وفي رواية ابن عيينة : إذا قيل له : كيف أنت ؟ ( يقول ) : أنا ( شيخ كبير ) صفة الخبر المقدر مبتدؤه بأنا ( مفتون ، أصابتني دعوة سعد ) أفرد الدعوة وهي ثلاثة على إرادة الجنس ، وفي رواية ابن عيينة : ولا تكون فتنة إلاّ وهو فيها ، فإن قلت : لِمَ لَمْ يذكر الدعوة الأخرى ، وهي الفقر ، أجيب ، بأنها داخلة في قوله : أصابتني . لكن وقع التصريح بذلك عند الطبراني ، ولفظه : قال عبد الملك ، فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك ، فإذا سألوه قال : كبير فقير مفتون . ( قال عبد الملك ) بن عمير : ( فأنا ) بالفاء ، ولأبي الوقت : وأنا ( رأيته بعد ، قد سقط حاجباه ) أي شعرهما ( على عينيه من الكبر ) بكسر الكاف وفتح الموحدة ، ( وإنه ) أي أبا سعدة ( ليتعرض