أحمد بن محمد القسطلاني
81
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
والمثناة التحتية آخره نون توكيد ثقيلة فيهما ، مبنيًّا للفاعل في الأولى ، وللمفعول في الثاني ( عن ذلك ) أي : عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة ( أو ) قال عليه الصلاة والسلام ( لتخطفن ) بضم المثناة الفوقية ، وسكون الخاء المعجمة وفتح الطاء والفاء ، مبنيًّا للمفعول أي : لتعمين ( أبصارهم ) . وكلمة : أو ، للتخيير تهديدًا ، وهو خبر بمعنى الأمر ، أي : ليكوننّ منكم الانتهاء عن رفع البصر أو تخطف الأبصار عند الرفع من الله ، وهو كقوله تعالى : { تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } [ الفتح : 16 ] أي يكون أحد الأمرين . وفيه النهي الوكيد والوعيد الشديد ، وحملوه على الكراهة دون الحرمة للإجماع على عدمها ، وأما رفع البصر إلى السماء في غير الصلاة في دعاء ونحوه ، فجوّزه أكثرون ، لأن السماء قبلة الداعين ، كالكعبة قبلة المصلين ، وكرهه آخرون . ورواة هذا الحديث كلهم بصريون ، وفيه التحديث بالجمع والإفراد والقول ، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة في الصلاة . 93 - باب الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ ( باب ) كراهية ( الالتفات في الصلاة ) لأنه ينافي الخشوع المأمور به أو ينقصه . 751 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : " سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ فَقَالَ : هُوَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ الْعَبْدِ " . [ الحديث 751 - طرفه في : 3291 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا مسدد ) هو ابن مسرهد ( قال : حدّثنا أبو الأحوص ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وبالصاد المهملة سلام بتشديد اللام ، ابن سليم ، بضم السين ، الحافظ الكوفي ( قال : حدّثنا أشعث بن سليم ) بضم السين وفتح اللام ، وأشعث بالشين المعجمة والعين المهملة ثم مثلثة ( عن أبيه ) سليم بن الأسود المحاربي الكوفي ، أبو الشعثاء ( عن مسروق ) هو ابن الأجدع الهمداني الكوفي ( عن عائشة ) رضي الله عنها ( قالت : سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الالتفات ) بالرأس يمينًا وشمالاً ( في الصلاة فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( هو اختلاس ) أي اختطاف بسرعة ( يختلسه الشيطان ) بإبراز الضمير المنصوب ، وهو رواية الكشميهني ، وللأكثر : يختلس الشيطان ( من صلاة العبد ) فيه الحض على إحضار المصلي قلبه لمناجاة ربه . ولما كان الالتفات فيه ذهاب الخشوع ، استعير لذهابه اختلاس الشيطان ، تصويرًا لقبح تلك الفعلة بالمختلس ، لأن المصلي مستغرق في مناجاة ربه ، والله مقبل عليه ، والشيطان مراصد له ينتظر فوات ذلك ، فإذا التفت المصلي ، اغتنم الشيطان الفرصة فيختلسها منه . قاله الطيبي في شرح المشكاة . والجمهور على كراهة الالتفات فيها للتنزيه . وقال المتولي : حرام إلاّ لضرورة ، وهو قول الظاهرية . ومن أحاديث النهي عنه ، حديث أنس عند الترمذي مرفوعًا ، وقال حسن : يا بني إياك والالتفات في الصلاة ، فإن الالتفات في الصلاة هلكة ، فإن كان ولا بدّ ففي التطوع لا في الفريضة . وحديث أبي داود والنسائي عنه ، وصحّحه الحاكم : لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت ، فإذا صرف وجهه انصرف عنه . وللبزار من حديث جابر بسند فيه الفضل بن عيسى : إذا قام الرجل في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه ، فإذا التفت ، قال : يا ابن آدم إلى من تلتفت ؟ إلى من هو خير مني ؟ أقبل إليَّ . فإذا التفت الثانية قال مثل ذلك ، فإذا التفت الثالثة صرف الله وجهه عنه . ولابن حبان في الضعفاء ، عن أنس مرفوعًا : المصلي يتناثر على رأسه الخير من عنان السماء إلى مفرق رأسه . وملك ينادي : لو يعلم العبد من يناجي ما التفت . والمراد بالالتفات المذكور ما لم يستدبر القبلة بصدره أو كله . فإن قلت : لِمَ شرع سجود السهو للمشكوك فيه دون الالتفات ، وغيره مما ينقص الخشوع ؟ أجيب : بأن السهو لا يؤاخذ به المكلف ، فشرع له الجبر دون العمد ليتيقظ العبد فيجتنبه . ورواة هذا الحديث الستة كوفيون إلا شيخ المؤلّف فبصري ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في صفة إبليس اللعين ، وأبو داود ، والنسائي ، في : الصلاة . 752 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ : " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلاَمٌ فَقَالَ : شَغَلَتْنِي أَعْلاَمُ هَذِهِ ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةٍ » . وبه قال : ( حدّثنا قتيبة ) بن سعيد ( قال : حدّثنا سفيان ) بن عيينة ( عن الزهري ) محمد بن مسلم بن شهاب ( عن عروة ) بن الزبير ( عن عائشة ) رضي الله عنها ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، صلّى في خميصة ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم وفتح الصاد المهملة ، كساء أسود مربع ( لها أعلام ، فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( شغلتني ) بمثناة فوقية بعد اللام ، وللحموي والسرخسي : شغلني ( أعلام