أحمد بن محمد القسطلاني

77

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

على الحكاية ، لا يقال : إنه صريح في الدلالة على ترك البسملة أولها ، لأن المراد الافتتاح بالفاتحة ، فلا تعرض لكون البسملة منها أو لا . ولمسلم لم يكونوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم ، وهو محمول على نفي سماعها ، فيحتمل إسرارهم بها . ويؤيده رواية النسائي وابن حبّان : فلم يكونوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم . فنفي القراءة محمول على نفي السماع ، ونفي السماع على نفي الجهر ، ويؤيده رواية ابن خزيمة : كانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم . وقد قامت الأدلة والبراهين للشافعي على إثباتها ، ومن ذلك ، حديث أم سلمة المروي في البيهقي وصحيح ابن خزيمة ، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ بسم الله الرحمن الرحيم في أول الفاتحة في الصلاة ، وعدّها آية . وفي سنن البيهقي عن علي وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم أن الفاتحة هي السبع المثاني ، وهي سبع آيات ، وأن البسملة هي السابعة . عن أبي هريرة مرفوعًا : إذا قرأتم الحمد لله فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم ، إنها أُم القرآن وأُم الكتاب والسبع المثاني ، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها . قال الدارقطني : رجال إسناده كلهم ثقات . وأحاديث الجهر بها كثيرة عن جماعة من الصحابة ، نحو العشرين صحابيًّا كأبي بكر الصديق ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وأُم سلمة . 744 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً - قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً - فَقُلْتُ : بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَاىَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَاىَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ » . وبه قال : ( حدّثنا موسى بن إسماعيل ) المنقري التبوذكي ( قال : حدّثنا عبد الواحد بن زياد ) العبدي البصري ( قال : حدّثنا عمارة بن القعقاع ( قال : حدّثنا أبو زرعة ) هرم ، أو عبد الرحمن ، أو عمرو ، أو جرير بن عمرو البجلي ، ( قال : حدّثنا أبو هريرة قال : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسكت ) بفتح أوله ( بين التكبير وبين القراءة إسكاتة ) بكسر الهمزة بوزن إفعالة ، وهو من المصادر الشاذة إذ القياس سكوتًا ، وهو منصوب مفعولاً مطلقًا ، أي سكوتًا يقتضي كلامًا بعده . ( قال ) أبو زرعة ( أحسبه ) أي أظن أبا هريرة ( قال : هنية ) بضم الهاء وفتح النون وتشديد المثناة التحتية من غير همز - كذا عند الأكثر أي : يسيرًا وللكشميهني والأصيلي : هنيهة بهاء بعد المثناة الساكنة . وفي نسخة : هنيئة بهمزة مفتوحة بعد المثناة الساكنة ، قال عياض والقرطبي : وأكثر رواة مسلم قالوه بالهمز ، لكن قال النووي : إنه خطأ ، قال : وأصله هنوة ، فلما صغرت صارت هنيوة ، فاجتمعت واو وياء وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ثم أدغمت . وتعقب بأنه لا يمنع ذلك إجازة الهمزة ، فلقد تقلب الواو همزة . ( فقلت بأبي وأمي ) أي أنت مفدى أو أفديك بهما ( يا رسول الله إسكاتك ) بكسر الهمزة وسكون السين والرفع ، قال في الفتح : وهو الذي في رواية الأكثرين ، وأعربه مبتدأ ، لكنه لم يذكر خبره ، أو هو منصوب على ما قاله المظهري ، أي أسألك إسكاتك ، أو في إسكاتك وللمستملي والسرخسي : أسكاتك ؟ بفتح الهمزة وضم السين على الاستفهام ، ولهما في نسخة أسكوتك ؟ ( بين التكبير والقراءة ) ولأبي ذر ، والأصيلي ، وأبي الوقت ، وابن عساكر : وبين القراءة ( ما تقول ) فيه ؟ ( قال ) عليه الصلاة والسلام : ( أقول ) فيه ( اللهمّ باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت ) أي كتبعيدك ( بين المشرق والمغرب ) هذا من المجاز لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان ، أي : امح ما حصل من خطاياي ، خل بيني وبين ما يخاف من وقوعه حتى لا يبقى لها مني اقتراب بالكلية . وهذا الدعاء صدر منه عليه الصلاة والسلام على سبيل المبالغة في إظهار العبودية ، وقيل : إنه على سبيل التعليم لأمته ، وعورض بكونه : لو أراد ذلك لجهر به ، وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار وأعاد لفظ : بين هنا ولم يقل : وبين المغرب لأن العطف على الضمير المخفوض يعاد معه العامل بخلاف الظاهر ، كذا قرره الكرماني ، لكن يرد عليه قوله : بين التكبير وبين القراءة . ( اللهمَّ نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ) أي الوسخ وقاف نقني بالتشديد في الموضعين . وهذا مجاز عن إزالة الذنوب ومحو أثرها . وشبه بالثوب الأبيض لأن الدنس فيه أظهر من غيره من الألوان ( اللهمّ اغسل خطاياي بالماء والثلج ) بالمثلثة وسكون اللام ، وفي اليونينية بفتحها ( والبرد ) بفتح الراء . وذكر الأخيرين بعد الأول للتأكيد