أحمد بن محمد القسطلاني
59
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
غير الخسوف ( فليخفف ) استحبابًا مراعاة لحال المأمومين ( فإن فيهم ) بالفاء ، وللكشميهني : فإن منهم ( الضعيف ) الخلقة ( والسقيم ) المريض ( والكبير ) السن . وزاد مسلم ، من وجه آخر عن أبي الزناد : والصغير ، والطبراني : والحامل والمرضع . وعنده أيضًا ، من حديث عدي بن حاتم : والعابر السبيل . وقوله في حديث أبي مسعود البدري السابق : وذا الحاجة . يشمل الأوصاف المذكورات . وقد ذهب جماعة كابن حزم ، وأبي عمر بن عبد البر ، وابن بطال ، إلى الوجوب تمسكًا بظاهر الأمر ، في قوله : فليخفف . وعبارة ابن عبد البر في هذا الحديث أوضح الدلائل على أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف ، لأمره عليه الصلاة والسلام إياهم بذلك ، ولا يجوز لهم التطويل لأن في الأمر لهم بالتخفيف نهيًا عن التطويل ، والمراد بالتخفيف أن يكون بحيث لا يخل بسننها ومقاصدها . ( وإذا صلّى أحدكم لنفسه ، فليطول ما شاء ) في القراءة والركوع والسجود ، ولو خرج الوقت كما صحّحه بعض الشافعية . لكن إذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل ، ومفسدة إيقاع بعض الصلاة في غير الوقت ، كانت مراعاة ترك المفسدة أولى ، ومحل الجواز لخروج الوقت ، على تقدير صحته مقيدة بما إذا أوقع ركعة في الوقت ، كما ذكر الأسنوي أنه المتجه ، وقيدوا التطويل أيضًا بما إذا لم يخرج إلى سهو ، فإن أدّى إليه كره ، ولا يكون إلاّ في الأركان التي تحتمل التطويل ، وهي القيام والركوع والسجود والتشهد ، لا الاعتدال والجلوس بين السجدتين . 63 - باب مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ وَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ طَوَّلْتَ بِنَا يَا بُنَىَّ . ( وقال أبو أسيد ) بضم الهمزة وفتح السين المهملة ، وللمستملي ، أبو أسيد ، بفتح الهمزة ، مالك بن ربيعة الأنصاري الساعدي المدني ، لولده المنذر ، مما وصله ابن أبي شيبة ، وكان يصلّي خلفه . ( طوّلت بنا يا بني ) اسم ابنه النذر ، كما رواه ابن أبي شيبة . ( باب من شكًا إمامه إذا طوّل ) عليهم في الصلاة . 704 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الْفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلاَنٌ فِيهَا . فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ . ثُمَّ قَالَ : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ » . وبالسند قال ( حدّثنا محمد بن يوسف ) الفريابي ( قال : حدّثنا سفيان ) الثوري ، ( عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ) بالمهملة والزاي ، ( عن ابن مسعود ) عقبة بن عمرو ، بالواو ، البدري ( قال : قال رجل ) للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( يا رسول الله ، إني لأتأخر عن الصلاة ) جماعة ( في الفجر ، مما يطيل بنا فلان ) معاذ ، أو أُبي بن كعب ( فيها ) ويدل للثاني حديث أبي يعلى الموصلي أن أُبيًّا صلّى بأهل قباء ، فاستفتح بسورة البقرة ( فغضب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) غضبًا ( ما رأيته غضب في موضع ) وللأصيلي وابن عساكر في نسخة : في موعظة ( كان أشد غضبًا منه يومئذ ، ثم قال : ) : ( يا أيها الناس إن منكم منفرين ) وللأصيلي : لمنفرين ، بلام التأكيد ( فمن أمّ الناس فلْيتجوّز ) أي : فليخفف في صلاته بهم ( فإن خلفه ) مقتديًا به ( الضعيف والكبير وذا الحاجة ) أي صاحبها . قال ابن دقيق العيد : التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية ، فقد يكون الشيء خفيفًا بالنسبة إلى عادة قوم ، طويلاً بالنسبة لعادة آخرين . قال : وقول الفقهاء : لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات ، لا يخالف ما ورد عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أنه كان يزيد على ذلك ، لأن رغبة الصحابة في الخير تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلاً . 705 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ : أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ ! وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ - فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي ، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ - أَوِ النِّسَاءِ - فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ ، وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « يَا مُعَاذُ ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ - أَوْ فَاتِنٌ - ( ثَلاَثَ مِرَارٍ ) ، فَلَوْلاَ صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ » . أَحْسِبُ هَذَا فِي الْحَدِيثِ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ وَمِسْعَرٌ وَالشَّيْبَانِيُّ . قَالَ عَمْرٌو وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ وَأَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ : " قَرَأَ مُعَاذٌ فِي الْعِشَاءِ بِالْبَقَرَةِ " . وَتَابَعَهُ الأَعْمَشُ عَنْ مُحَارِبٍ . وبه قال : ( حدّثنا آدم بن أبي إياس ) بكسر الهمزة ( قال : حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( قال : حدّثنا محارب بن دثار ) بكسر الدال وبالمثلثة ( قال : سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري ) رضي الله عنه ( قال : أقبل رجل بناضحين ) بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة ، تثنية ناضح ، وهو البعير الذي يسقى عليه النخل والزرع ( وقد جنح الليل ) بجيم ونون وحاء مهملة مفتوحات ، أقبل بظلمته ( فوافق معاذًا يصلّي ) العشاء ( فترك ناضحه ) بتخفيف الراء بعد المثناة الفوقية والإفراد ، ولأبي ذر في نسخة ، والأصيلي : فبرك ناضحيه بالتشديد بعد الموحدة والتثنية ، ( وأقبل إلى معاذ ، فقرأ ) معاذ في صلاته ( بسورة البقرة أو النساء ) شك محارب ، كما في رواية أبي داود الطيالسي ( فانطلق الرجل ، وبلغه ) أي الرجل ( أن معاذًا نال منه ) ذكره بسوء ، فقال : إنه منافق ، ( فأتى ) الرجل ( النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فشكا إليه معاذًا ) أي أخبر بسوء فعله ( فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) لمعاذ ، بعد أن أرسل إليه وحضر عنده : ( يا معاذ أفتان أنت ) صفة واقعة بعد