أحمد بن محمد القسطلاني

47

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

فحمد الله من تلفظه بالحمد ( ثم استأخر ) أي تأخر ( أبو بكر ) رضي الله عنه من غير استدبار للقِبلة ولا انحراف عنها ( حتى استوى في الصف ، وتقدم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصلّى ) بالناس . واستنبط منه : أن الإمام الراتب إذا حضر بعد أن دخل نائبه في الصلاة يتخير : بين أن يأتم به أو يؤم هو ، ويصير النائب مأمومًا ، من غير أن يقطع الصلاة ، ولا تبطل بشيء من ذلك صلاة أحد من المأمومين . والأصل عدم الخصوصية خلافًا للمالكية ، وفيه جواز إحرام المأموم قبل الإمام ، وإن المرء قد يكون في بعض صلاته إمامًا وفي بعضها مأمومًا . ( فلما انصرف ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الصلاة ( قال ) : ( يا أبا بكر ما منعك أن تثبت ) في مكانك ( إذ ) أي حين ( أمرتك ) . ( فقال أبو بكر ) رضي الله عنه ( ما كان لابن أبي قحافة ) بضم القاف وتخفيف الحاء المهملة وبعد الألف فاء ، عثمان بن عامر ، أسلم في الفتح وتوفي سنة أربع عشرة في خلافة عمر رضي الله عنه ، وعبر بذلك دون أن يقول : ما كان لي أو لأبي بكر ، تحقيرًا لنفسه واستصغارًا لمرتبته ( أن يصلّي بين يدي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي : قدامه إمامًا به . ( فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ( ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق ؟ من رابه ) بالراء ، وللأربعة : نابه أي أصابه ( شيء في صلاته فليسبح ) أي فليقل : سبحان الله ، كما في رواية يعقوب بن أبي حازم ( فإنه إذا سبح التفت إليه ) بضم المثناة الفوقية مبنيًّا للمفعول ( وإنما التصفيق للنساء ) . زاد الحميدي والتسبيح للرجال . وبهذا قال مالك ، والشافعي وأحمد ، وأبو يوسف ، والجمهور . وقال أبو حنيفة ومحمد : متى أتى بالذكر جوابًا بطلت صلاته ، وإن قصد به الإعلام بأنه في الصلاة لم تبطل ، فحملا التسبيح المذكور على قصد الإعلام بأنه في الصلاة ، من نابه ، على نائب مخصوص ، وهو إرادة الإعلام بأنه في الصلاة . والأصل عدم هذا التخصيص لأنه عامّ لكونه في سياق الشرط ، فيتناول كلاًّ منهما . فالحمل على أحدهما من غير دليل لا يصار إليه ، لا سيما التي هي سبب الحديث ، لم يكن القصد فيها إلاّ تنبيه الصديق على حضوره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فأرشدهم صلوات الله عليه وسلامه إلى أنه كان حقهم عند هذا النائب التسبيح ، ولو خالف الرجل المشروع في حقه وصفق لم تبطل صلاته ، لأن الصحابة صفقوا في صلاتهم ولم يأمرهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالإعادة ، لكن ينبغي أن يقيد بالقليل ، فلو فعل ذلك ثلاث مرات متواليات بطلت صلاته لأنه ليس مأذونًا فيه . وأما قوله عليه الصلاة والسلام : ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق ؟ مع كونه لم يأمرهم بالإعادة ، فلأنهم لم يكونوا علموا امتناعه : وقد لا يكون حينئذٍ ممتنعًا ، أو أراد إكثار التصفيق من مجموعهم ، ولا يضرّ ذلك إذا كان كل واحد منهم لم يفعله ثلاثًا . واستنبط منه . أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء يفهم منه إكرامه به لا يتحتم عليه ولا يكون تركه مخالفة للأمر ، بل أدبًا وتحريًا في فهم المقاصد . وبقية ما يستنبط منه يأتي إن شاء الله تعالى في محاله . ورواته الأربعة ما بين تنيسي ومدني ، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول ، وأخرجه المؤلّف في الصلاة في مواضع ، وفي الصلح والأحكام ، ومسلم وأبو داود والنسائي . 49 - باب إِذَا اسْتَوَوْا فِي الْقِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا استووا ) أي الحاضرون للصلاة ( في القراءة فليؤمهم أكبرهم ) سنًّا . 685 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ : " قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ شَبَبَةٌ فَلَبِثْنَا عِنْدَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَحِيمًا فَقَالَ : لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى بِلاَدِكُمْ فَعَلَّمْتُمُوهُمْ ، مُرُوهُمْ فَلْيُصَلُّوا صَلاَةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا ، وَصَلاَةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا ، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ » . وبالسند قال : ( حدّثنا سليمان بن حرب ) بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين آخره موحدة ( قال : حدّثنا حماد بن زيد ) هو ابن درهم ، ( عن أيوب ) السختياني ، ( عن أبي قلابة ) عبد الله بن زيد الجرمي ، ( عن مالك بن الحويرث ) بالحاء المهملة المضمومة آخره مثلثة ، مصغرًا ( قال : قدمنا على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) في نفر من قومي ( ونحن شببة ) بفتح الشين المعجمة والموحدتين ، جمع شاب زاد في الأدب : متقاربون أي في السن . ( فلبثنا عنده ) عليه الصلاة والسلام ( نحوًا من عشرين ليلة ) بأيامها ( وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رحيمًا ) زاد في رواية ابن علية وعبد الوهاب : رفيقًا ، فظن أنّا اشتقنا إلى أهالينا ، فسألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه ( فقال ) : ( لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم ) دينهم