أحمد بن محمد القسطلاني

468

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

أهلها ، يعرض عليه ، أو : يعلم ، بالعكس مما يبشر به أهل الجنة ، لأن هذه المنزلة طليعة تباشير السعادة الكبرى ، ومقدمة تباريح الشقاوة العظمى ، لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا ، دل الجزاء على الفخامة ، وفي ذلك تنعيم لمن هو من أهل الجنة ، وتعذيب لمن هو من أهل النار ، بمعاينة ما أعد له ، وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود ( فيقال ) له : ( هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ) ولمسلم : حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة . بزيادة لفظة : إليه ، لكن حكى ابن عبد البر ، أن الأكثرين من أصحاب مالك رووه كالبخاري وابن القاسم ، كرواية مسلم . نعم ، روى النسائي رواية ابن القاسم كلفظ البخاري ، واختلف في الضمير : هل يعود على المقعد أي : هذا مقعدك تستقر فيه حتى تبعث إلى مثله من الجنة أو النار ؟ ولمسلم ، من طريق الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، ثم يقال : هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة : أو الضمير يرجع إلى الله تعالى ، أي : إلى لقاء الله تعالى ، أو إلى المحشر أي : هذا الآن مقعدك إلى يوم المحشر ، فيرى عند ذلك كرامة أو هوانًا ينسى عنده هذا المقعد ، كقوله تعالى : { وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ } [ ص : 78 ] قال الزمخشري ، أي إنك مذموم مدعوّ عليك باللعنة في السماوات والأرض إلى يوم الدين ، فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما تنسى اللعن منه . وهذا الحديث أخرجه مسلم في : صفة النار ، والنسائي في : الجنائز . 91 - باب كَلاَمِ الْمَيِّتِ عَلَى الْجَنَازَةِ ( باب كلام الميت ) بعد حمله ( على الجنازة ) أي : النعش . 1380 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي ، قَدِّمُونِي . وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ : يَا وَيْلَهَا ، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا ؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَىْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ » . وبالسند قال : ( حدّثنا قتيبة ) بن سعيد قال : ( حدّثنا الليث ) بن سعد الإمام ( عن سعيد بن أبي سعيد ) بكسر العين فيهما ( عن أبيه ) أبي سعيد ( أنه سمع أبا سعيد الخدري ، رضي الله عنه . يقول : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت ) أي الجنازة ( صالحة قالت : قدّموني قدّموني ) مرتين ( وإن كانت غير صالحة قالت : يا ويلها ! أين يذهبون بها ؟ ) بالمثناة التحتية في : يذهبون ، وأضاف الويل إلى ضمير الغائب حملاً على المعنى ، وعدل عن حكاية قول الجنازة : يا ويلي ، كراهية أن يضيف الويل إلى نفسه . ومعنى النداء فيه : يا حزني ، يا هلاكي ، يا عذابي أحضر فهذا وقتك وأوانك . وكل من وقع في هلكة دعا بالويل ، وأسند الفعل إلى الجنازة ، وأراد الميت ، والكلام كما قال ابن بطال : من الروح ، وروي مرفوعًا : إن الميت ليعرف من يحمله ، ومن يغسله ومن يدليه في قبره ، وعن مجاهد : إذا مات الميت فما من شيء إلا وهو يراه عند غسله ، وعند حمله ، حتى يصير إلى قبره ( يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ، ولو سمعها الإنسان لصعق ) أي : لمات . ومناسبة هذه الترجمة لسابقتها من جهة عرض مقعد الميت عليه ، فكأن ابتداءه يكون عند حمل الجنازة ، لأنه حينئذٍ يظهر للميت ما يؤول إليه حاله ، فعند ذلك يقول : قدّموني قدموني ، أو : يا ويلها أين يذهبون بها ؟ 91 - باب مَا قِيلَ فِي أَوْلاَدِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ » . ( باب ما قيل في أولاد المسلمين ) غير البالغين ( قال ) ولأبوي : ذر ، والوقت : وقال ( أبو هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجابًا من النار ) كان بالإفراد ، واسمها ضمير يعود على الموت المفهوم مما سبق ، أي : كان موتهم له حجابًا ، ولأبي ذر ، عن الكشميهني : كانوا له حجابًا من النار ( أو دخل الجنة ) . وإذا كانوا سببًا في حجب النار عن الأبوين ودخولهما الجنة ، فأولى أن يحجبوا هم عنها ، ويدخلوا الجنة . فذلك معلوم من فحوى الخطاب . وهذا الحديث قال الحافظ ابن حجر : لم أره موصولاً من حديث أبي هريرة على هذا الوجه ، لكن عند أحمد عنه مرفوعًا : " ما من مسلمَيْنِ يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله وإياهم ، بفضل رحمته ، الجنة . ولمسلم عنه أيضًا : أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لامرأة : دفنت ثلاثة من الولد ؟ قالت : نعم . قال : لقد احتظرت بحظار شديد من النار . 1381 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلاَثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ » . وبالسند قال : ( حدّثنا يعقوب بن إبراهيم ) بن كثير الدورقي ، قال : ( حدّثنا ابن علية ) بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية ، إسماعيل بن إبراهيم البصري ، وعلية أمه ، قال : ( حدّثنا عبد العزيز بن صهيب ،