أحمد بن محمد القسطلاني
461
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
فرعون وقومه ، واستغنى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك ( { سوء العذاب } ) الغرق في الدنيا ، ثم النقلة منه إلى النار ( { النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًّا } ) جملة مستأنفة ، أو : النار ، بدل من سوء العذاب ، ويعرضون حال . وروى ابن مسعود : أن أرواحهم في أجواف طير سود تعرض على النار بكرة وعشيًا ، فقال لهم : هذه داركم . رواه ابن أبي حاتم ، قال القرطبي : الجمهور على أن هذا العرض في البرزخ ، وفيه دليل على بقاء النفس ، وعذاب القبر ( { ويوم تقوم الساعة } ) أي : هذا ما دامت الدنيا ، فإذا قامت الساعة قيل لهم : ( { أدخلوا } ) { آَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ } [ غافر : 45 ] عذاب جهنم فإنه أشد مما كانوا فيه ، أو أشد عذاب جهنم . وهذه الآية المكية أصل في الاستدلال لعذاب القبر ، لكن استشكلت مع الحديث المروي في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين : أن يهودية في المدينة كانت تعيذ عائشة من عذاب القبر ، فسألت عنه رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقال : كذب يهود ، لا عذاب دون القيامة . فلما مضى بعض أيام ، نادى رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، محمرًا عيناه ، بأعلى صوته : أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر ، فإنه حق . وأجيب : بأن الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ ، وما نفاه أوّلاً ثم أثبته ، عليه الصلاة والسلام ، عذاب الجسد فيه . والأولى أن يقال : الآية دلت على عذاب الكفار ، وما نفاه ، ثم أثبته عذاب القبر للمؤمنين . ففي صحيح مسلم ، من طريق ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، أن يهودية قالت لها : أشعرت أنكم تفتنون في القبور ؟ فلما سمع ، عليه الصلاة والسلام ، قولها ارتاع ، وقال : إنما تفتن اليهود . ثم قال بعد ليال : أشعرت أنه أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور ، وفي الترمذي ، عن عليّ قال : ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } [ التكاثر : 1 - 2 ] وفي صحيح ابن حبان ، من حديث أبي هريرة مرفوعًا في قوله تعالى : { فإن له معيشة ضنكًا } قال عذاب القبر . 1369 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ } . وبالسند قال : ( حدّثنا حفص بن عمر ) الحوضي ، قال : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن علقمة بن مرثد ) بفتح الميم والمثلثة ، الحضرمي ( عن سعد بن عبيدة ) بسكون العين في الأوّل ، وضمها وفتح الموحدة مصغرًا آخره هاء تأنيث في الثاني ، وصرّح في رواية أبي الوليد الطيالسي ، الآتية إن شاء الله تعالى في التفسير بالإخبار بين شعبة وعلقمة ، وبالسماع بين علقمة وسعد بن عبيدة ( عن البراء بن عازب ، رضي الله عنهما ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( إذا أقعد المؤمن في قبره ) بضم همزة أقعد مبنيًا للمفعول ، كهمزة ( أتي ) أي : حال كونه مأتيًّا إليه . والآتي : الملكان منكر ونكير ( ثم شهد ) بلفظ الماضي : كعلم ، وللحموي والكشميهني كما في الفرع ، وقال في الفتح ، والمستملي بدل الكشميهني : ثم يشهد ، بلفظ المضارع ، كيعلم ( أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله ) وفي رواية أبي الوليد المذكورة ، المسلم ، إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ( فذلك قوله ) تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) الذي ثبت بالحجة عندهم ، وهي كلمة التوحيد ، وثبوتها تمكنها في القلب ، واعتقاد حقيتها ، واطمئنان القلب بها . زاد في رواية أبي الوليد { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ } [ إبراهيم : 27 ] وتثبيتهم في الدنيا : أنهم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا عنها ، وإن ألقوا في النار ولم يرتابوا بالشبهات . وتثبيتهم في الآخرة : أنهم إذا سئلوا في القبر لم يتوقفوا في الجواب وإذا سئلوا في الحشر ، وعند موقف الإشهاد ، عن معتقدهم ودينهم ، لم تدهشهم أهوال القيامة . وبالجملة ، فالمرء على قدر ثباته في الدنيا يكون ثباته في القبر وما بعده وكلما كان أسرع إجابة كان أسرع تخلصًا من الأهوال . والمسؤول عنه في قوله : إذا سئلوا الثابت في رواية أبي الوليد ، محذوف أي : عن ربه ونبيه ودينه . وفي هذا الحديث : التحديث والعنعنة ، ورواته ما بين : بصري وكوفي ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الجنائز ، وفي التفسير ، ومسلم في : صفة النار ، وأبو داود في : السنة ، والترمذي في : التفسير ، والنسائي في : الجنائز ، وفي التفسير ، وابن ماجة في : الزهد . 1369 م - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا ، وَزَادَ { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا } نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ . [ الحديث 1369 م - طرفه في : 4699 ] . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن بشار ) بفتح الموحدة والشين المعجمة المشددة ، العبدي البصري ، ويقال له :