أحمد بن محمد القسطلاني
458
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
عليه ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( قوله ) القبيح في حق النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، والمؤمنين . ( فتبسم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقال ) : ( أخر عني يا عمر . فلما أكثرت عليه ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الكلام ( قال : إني خيرت ) بضم الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول ، أي : في قوله تعالى : { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً } [ التوبة : 80 ] الآية . وفي نسخة : إني قد خيرت ( فاخترت ) الاستغفار . ( لو أعلم أني إن زدت ) ولأبي ذر : لو زدت ( على السبعين فغفر له ) ولأبي ذر : يغفر له ( لزدت عليها ) . ( قال ) عمر : ( فصلّى عليه رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم انصرف ) من صلاته ( فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من ) سورة ( براءة : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا } إلى : ( { وَهُمْ } ) ولأبي ذر : إلى قوله وهم ( { فاسقون } ) فنهي عن الصلاة لأن : المراد منها الدعاء للميت والاستغفار له وهو ممنوع في حق الكافر ولذلك رتب النهي على قوله مات أبدًا يعني الموت على الكفر ، فإن إحياء الكافر للتعذيب ، دون التمتع . وقوله : { وَهُمْ فَاسِقُونَ } تعليل للنهي . ( قال ) عمر : ( فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يومئذ ) في مراجعتي له ( والله ورسوله أعلم ) . 86 - باب ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ ( باب ) مشروعية ( ثناه الناس ) بالأوصاف الحميدة ، والخصال الجميلة ( على الميت ) بخلاف الحي ، فإنه منهي عنه إذا أفضى إلى الإطراء خشية الإعجاب . 1367 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ " مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَبَتْ . ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا ، فَقَالَ : وَجَبَتْ . فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - : مَا وَجَبَتْ ؟ قَالَ : هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ . أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ " . [ الحديث 1367 - طرفه في : 2642 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا آدم ) بن أبي إياس قال : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ، قال : ( حدّثنا عبد العزيز بن صهيب ، قال : سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه ، يقول ) : ( مروا ) ولأبي ذر : مرّ ، بضم الميم مبنيًا للمفعول ( بجنازة ، فأثنوا عليها خيرًا ) في رواية النضر بن أنس عند الحاكم ، فقالوا : كان يحب الله ورسوله ، ويعمل بطاعة الله ، ويسعى فيها ، ( فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وجبت ، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا ) قال في رواية الحاكم المذكورة : فقالوا : كان يبغض الله ورسوله ، ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها ، ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( وجبت ) . واستعمال الثناء في الشر لغة شاذة ، لكنه استعمل هنا للمشاكلة لقوله : فأثنوا عليها خيرًا . وإنما مكنوا من الثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري في النهي عن سب الأموات لأن النهي عن سبهم إنما هو في حق غير المنافقين ، والكفار ، وغير المتظاهر بالفسق ، والبدعة . وأما هؤلاء فلا يحرم سبهم ، للتحذير من طريقتهم ، ومن الاقتداء بآثارهم ، والتخلق بأخلاقهم . قاله النووي . ( فقال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ) لرسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، مستفهمًا عن قوله : ( ما وجبت ؟ قال ) عليه الصلاة والسلام : ( هذا أثنيتم عليه خيرًا ، فوجبت له الجنة . وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار ) والمراد بالوجوب : الثبوت ، أو هو في صحة الوقوع كالشئ الواجب ، والأصل أنه لا يجب على الله شيء ، بل الثواب فضله ، والعقاب عدله . لا يسأل عما يفعله ( أنتم شهداء الله في الأرض ) ولفظه في : الشهادات : المؤمنون شهداء الله في الأرض . فالمراد : المخاطبون بذلك من الصحابة ، ومن كان على صفتهم من الإيمان . فالمعتبر شهادة أهل الفضل والصدق ، لا الفسقة . لأنهم قد يثنون على من كان مثلهم ، ولا من بينه وبين الميت عداوة ، لأن شهادة العدو لا تقبل . قاله الداودي . وقال المظهري : ليس معنى قوله : أنتم شهداء الله في الأرض ، أي : الذي يقولونه في حق شخص يكون كذلك ، حتى يصير من يستحق الجنة من أهل النار بقولهم ، ولا العكس . بل معناه أن الذي أثنوا عليه خيرًا رأوه منه كان ذلك علامة كونه من أهل الجنة ، وبالعكس . وتعقبه الطيبي في شرح المشكاة ، بأن قوله : وجبت ، بعد ثناء الصحابة ، حكم عقب وصفًا مناسبًا ، فأشعر بالعلية . وكذا الوصف بقوله : أنتم شهداء الله في الأرض . لأن الإضافة فيه للتشريف بأنهم بمنزلة عالية عند الله ، فهو كالتزكية من الرسول ، لأمته ، وإظهار عدالتهم بعد شهادتهم لصاحب الجنازة ، فينبغي أن يكون لها أثر ونفع في حقه . قال : وإلى معنى هذا يومئ قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } [ البقرة : 143 ] اه - . وقال النووي : قال بعضهم : معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل ، وكان ذلك مطابقًا للواقع ، فهو من أهل الجنة ، وإن كان غير مطابق فلا ، وكذا عكسه . قال : والصحيح أنه على عمومه ، وأن من مات فألهم الله الناس الثناء عليه