أحمد بن محمد القسطلاني

430

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

المنير : إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع بقربه ، وتعليلاً للنفس ، وتخييلاً باستصحاب المألوف من الأنس ، ومكابرة للحس ، كما يتعلل بالوقوف على الاطلال البالية ، ويخاطب المنازل الخالية ، فجاءتهم الموعظة ( فسمعوا ) أي : المرأة ومن معها ، ولأبي ذر : فسمعت ( صائحًا ) من مؤمني الجنّ أو الملائكة ( يقول : ألا هل وجدوا ما فقدوا ؟ ) بفتح القاف ، وللكشميهني : ما طلبوا ؟ ( فأجابه ) صائح ( آخر : بل يئسوا فانقلبوا ) . ومطابقة الحديث للترجمة من جهة : أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة فيه ، فيستلزم اتخاذ المسجد عند القبر ، وقد يكون القبر في جهة القبلة . فتزداد الكراهة ، وإذا أنكر الصائح بناء زائلاً ، وهو : الخيمة ، فالبناء الثابت أجدر ، ولكن لا يؤخذ من كلام الصائح حكم ، لأن مسالك الأحكام : الكتاب والسنة والقياس والإجماع ، ولا وحي بعده عليه الصلاة والسلام ، وإنما هذا وأمثاله تنبيه على انتزاع الأدلة من مواضعها ، واستنباطها من مظانها . 1330 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ هِلاَلٍ هُوَ الْوَزَّانُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - : " عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا . قَالَتْ : وَلَوْلاَ ذَلِكَ لأَبْرَزُوا قَبْرَهُ ، غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا " . وبالسند قال : ( حدّثنا عبيد الله بن موسى ) العبسي ( عن شيبان ) بفتح الشين المعجمة ابن عبد الرحمن النحوي ( عن هلال : هو ) ابن حميد ( الوزان ، عن عروة ) بن الزبير بن العوام ( عن عائشة ، رضي الله عنها عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ، في مرضه الذي مات فيه ) : ( لعن الله اليهود والنصارى ) أي : أبعدهم من رحمته ( اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا ) بالإفراد على إرادة الجنس ، وللكشميهني : مساجد ( قالت ) عائشة ، رضي الله عنها : ( ولولا ذلك ) أي : خشية اتخاذ قبره مسجدًا ( لأبرزوا قبره ) عليه السلام ، بلفظ الجمع ، لكن لم يبرزوه أي : لم يكشفوه ، بل بنوا عليه حائلاً لوجود خشية الاتخاذ . فامتنع الإبراز ، لأن : لولا ، امتناع لوجود ، ولأبي ذر ، وابن عساكر ، والأصيلي : لأبرز قبره ، بالرفع مفعول ناب عن الفاعل ( غير أني أخشى أن يتخذ مسجدًا ) . وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد ، ولذا لما وسع جعلت الحجرة الشريفة رزقنا الله العودة إليها ، مثلثة الشكل ، محددة ، حتى لا يتأتى لأحد أن يصلّي إلى جهة القبر المقدس ، مع استقبال القبلة . وفي هذا الحديث : التحديث والعنعنة ، وفيه أن شيخ المؤلّف بصري ، سكن الكوفة ، وشيبان وهلال : كوفيان ، وعروة : مدني ، وأخرجه في : الجنائز أيضًا والمغازي ، ومسلم في : الصلاة . 63 - باب الصَّلاَةِ عَلَى النُّفَسَاءِ إِذَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا ( باب الصلاة على النفساء ) بضم النون وفتح الفاء والمد ، بناء مفرد على غير قياس ، أي : المرأة الحديثة العهد بالولادة ، ( إذا ماتت في ) مدة ( نفاسها ) . 1331 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : " صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا ، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا " . وبالسند قال : ( حدّثنا مسدد ) هو : ابن مسرهد ، قال : ( حدّثنا يزيد بن زريع ) الأول من الزيادة ، والثاني تصغير زرع ، قال : ( حدّثنا حسين ) المعلم ، قال : ( حدّثنا عبد الله بن بريدة ) بضم الموحدة وفتح الراء والدال المهملة ، ابن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره موحدة ، الأسلمي المروزي التابعي ( عن سمرة ) بفتح السين المهملة وضم الميم ، ولأبي ذر زيادة : ابن جندب ، بفتح الدال وضمها ( رضي الله عنه قال ) : ( صليت وراء النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، أي : خلفه ، وإن كان قد جاء بمعنى قدام ، كما في قوله تعالى : { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ } [ الكهف : 79 ] أي : أمامهم وهو ظرف مكان ملازم للإضافة ، ونصبه على الظرفية ( على امرأة ) هي : أم كعب الأنصارية ، كما في مسلم ( ماتت في نفاسها ) في : هنا للتعليل كما في قوله ، عليه الصلاة والسلام : إن امرأة دخلت النار في هرة ( فقام عليها ، وسطها ) بفتح السين أي : محاذيًا لوسطها . وفي نسخة : على وسطها ، ولأبي ذر ، وابن عساكر ، والأصيلي ، فقام وسطها . بسكون السين ، وإسقاط لفظة : عليها ، فمن سكن جعله ظرفًا ، ومن فتح جعله اسمًا . والمراد على الوجهين : عجيزتها . وكون هذه المرأة في نفاسها وصف غير معتبر اتفاقًا ، وإنما هو حكاية أمر وقع . واختلف في كونها امرأة ، فاعتبره الشافعي ، والخنثى كالمرأة ، فيقف الإمام والمنفرد ندبًا عند عجيزة الأنثى والخنثى ، وأما الرجل فعند رأسه لئلا يكون ناظرًا إلى فرجه ، بخلاف المرأة ، فإنها في القبة ، كما هو الغالب ، ووقوفه عند وسطها ليسترها عن أعين الناس . وفي حديث أبي داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، عن أنس : أنه صلّى على رجل فقام عند رأسه ، وعلى امرأة ، وعليها نعش أخضر ، فقام عند عجيزتها . فقال له العلاء بن زياد : يا أبا حمزة ! أهكذا كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلّي على الجنازة ؟ قال : نعم . وبذلك قال أحمد وأبو