أحمد بن محمد القسطلاني

419

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

مدينة صغيرة ذات نخل ومياه بينها وبين الكوفة مرحلتان أو خمسة عشر فرسخًا ( فمروا عليهما ) أي : على سهل وقيس ، وللحموي والمستملي : عليهم ، أي : عليهما ومن كان حينئذٍ معهما ، ( بجنازة فقاما ) أي : سهل وقيس ( فقيل لهما إنها ) أي الجنازة ( من أهل الأرض - أي : من أهل الذمة - ) تفسير لأهل الأرض ، أي : من أهل الجزية المقرين بأرضهم ، لأن المسلمين لما فتحوا البلاد أقروهم على عمل الأرض وحمل الخراج ( فقالا : إن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، مرت به جنازة ، فقام . فقيل له : إنها جنازة يهودي ، فقال ) : ( أليست نفسًا ) ماتت ؟ فالقيام لها لأجل صعوبة الموت ، وتذكرة لا لذات الميت . 1313 - وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : " كُنْتُ مَعَ قَيْسٍ وَسَهْلٍ - رضي الله عنهما - فَقَالاَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " . وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى " كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ وَقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجِنَازَةِ " . ( وقال أبو حمزة ) بالحاء المهملة والزاي ، محمد بن ميمونة السكري ، مما وصله أبو نعيم في مستخرجه ( عن الأعمش ) سليمان بن مهران ( عن عمرو ) بفتح العين ، ابن مرة المذكور ( عن ابن أبي ليلى ) عبد الرحمن المذكور ( قال ) : ( كنت مع قيس ) هو : ابن سعد ( وسهل ) هو : ابن حنيف ، ولأبي ذر ، مع سهل وقيس ( رضي الله عنهما ، فقالا : كنا مع النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ) ومراد المؤلّف بهذا التعليق بيان سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى لهذا الحديث من قيس وسهل . ( وقال زكرياء ) بن أبي زائدة : مما وصله سعيد بن منصور ، عن سفيان بن عيينة ، عن زكريا ( عن الشعبي ) عامر بن شراحيل الأنصاري ( عن ابن أبي ليلى ) عبد الرحمن . ( كان أبو مسعود ) عقبة بن عمرو الأنصاري ( وقيس ) هو : ابن سعد المذكور ( يقومان للجنازة ) قال الحافظ ابن حجر : ويجمع بين ما وقع فيه من الاختلاف بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى ذكر قيسًا وسهلاً مفردين ، لكونهما رفعا له الحديث ، وذكره مرة أخرى عن قيس وأبي مسعود ، لكون أبي مسعود لم يرفعه . والله أعلم . 51 - باب حَمْلِ الرِّجَالِ الْجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ ( باب حمل الرجال الجنازة دون ) حمل ( النساء ) إياها لضعفهن عن مشاهدة الموتى غالبًا ، فكيف بالحمل مع ما يتوقع من صراخهن عند حمله ، ووضعه ، وغير ذلك من وجوه المفاسد . 1314 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ : قَدِّمُونِي . وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا ، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا ؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَىْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ » . [ الحديث 1314 - طرفاه في : 1316 ، 1380 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله ) بن يحيى القرشي العامري المدني الأعرج ، قال ( حدّثنا الليث ) بن سعد ( عن سعيد المقبري عن أبيه ) كيسان ( أنه سمع أبا سعيد ) سعد بن مالك الأنصاري ( الخدري ، رضي الله عنه ، أن رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( إذا وضعت الجنازة ) أي : الميت على النعش ( واحتملها الرجال على أعناقهم ) هذا موضع الترجمة لكنه استشكل لكونه إخبارًا ، فكيف يكون حجة في منع النساء . وأجيب : بأن كلام الشارع مهما أمكن يحمل على التشريع لا مجرد الإخبار عن الواقع . وفي حديث أنس ، عند أبي يعلى ، قال : خرجنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في جنازة ، فرأى نسوة فقال : أتحملنه ؟ قلن : لا ، قال : أتدفنه ؟ قلن : لا ، قال : فارجعهن مأزورات غير مأجورات . ولعل المؤلّف أشار إليه بالترجمة ولم يخرجه لكونه على غير شرطه وحينئذٍ ، فالحمل خاص بالرجال . وإن كان الميت امرأة لضعف النساء غالبًا ، وقد ينكشف منهن شيء لو حملن ، كما مر . فيكره لهن الحمل لذلك ، فإن لم يوجد غيرهن تعين عليهن . ( فإن كانت ) أي : الجنازة ( صالحة قالت ) قولاً حقيقيًّا : ( قدّموني ) لثواب العمل الصالح الذي عملته ، وللكشميهني : قدّموني ، مرة ثانية ( وإن كانت غير صالحة قالت : يا ويلها ) أي : يا حزني أحضر هذا أوانك ، وكان القياس أن يكون : يا ويلي ، لكنه أضيف إلى الغائب حملاً على المعنى ، كأنه لما أبصر نفسه غير صالحة نفر عنها وجعلها كأنها غيره ، أو كره أن يضيف الويل إلى نفسه ، قاله في شرح المشكاة . ( أين تذهبون بها ) قالته لأنها تعلم لم تقدّم خيرًا ، أو أنها تقدم على ما يسوءها ، فتكره القدوم عليه ( يسمع صوتها ) المنكر بذلك الويل ( كل شيء إلا الإنسان ، ولو سمعه صعق ) أي : مات . وللحموي والمستملي : لصعق . قال ابن بطال : وإنما يتكلم روح الجنازة لأن الجسد لا يتكلم بعد خروج الروح منه ، إلا أن يردّها الله إليه ، وهذا بناء منه على أن الكلام شرطه الحياة ، وليس كذلك ، إذا كان الكلام الحروف والأصوات ، فيجوز أن يخلق في الميت ، ويكون الكلام النفسي قائمًا بالروح ، وإنما تسمع الأصوات