أحمد بن محمد القسطلاني

377

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

وغسل وكفن في أثوابه ، دخل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) عليه ( فقلت : رحمة الله عليك يا أبا السائب ) بالسين المهملة ، وهي كنية عثمان ( فشهادتي عليك ) أي : لك ، ( لقد أكرمك الله ) جملة من المبتدأ والخبر . ومثل هذا التركيب يستعمل عرفًا ، ويراد به معنى القسم ، كأنها قالت : أقسم بالله لقد أكرمك الله . ( فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( وما يدريك ) بكسر الكاف ، أي : من أين علمت ( أن الله كرمه ) أي : عثمان ، ولأبي ذر : أن الله قد أكرمه ؟ ( فقلت : بأبي أنت ) مفدى أو : أفديك به ( يا رسول الله ، فمن يكرمه الله ) إذا لم يكن هو من المكرمين ، مع إيمانه وطاعته الخالصة ؟ ( فقال ) عليه السلام وللأصيلي : قال : ( أما هو ) أي : عثمان ( فقد جاءه اليقين ) أي : الموت ( والله إني لأرجو له الخير ) وأما غيره فخاتمة أمره غير معلومة ، أهو ممن يرجى له الخير عند اليقين أم لا ( والله ما أدري - وأنا رسول الله ما يفعل بي ) ولا بكم ، هو موافق لما في سورة الأحقاف . وكان ذلك قبل نزول آية الفتح { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } [ الفتح : 2 ] لأن الأحقاف مكية ، والفتح مدنية بلا خلاف فيهما ، وكان أولاً لا يدري لأن الله لم يعلمه ، ثم درى بأن أعلمه الله بعد ذلك . أو المراد : ما أدري ما يفعل بي ، أي في الدنيا من نفع وضر ، وإلاّ فاليقين القطعي بأنه خير البرية يوم القيامة ، وأكرم الخلق . قاله القرطبي ، والبرماوي . وقال البيضاوي ، أي في الدارين على التفصيل ، إذ لا علم بالغيب ، ولا لتأكيد النفي المشتمل على ما يفعل بي و : ما ، إما موصولة منصوبة ، أو : استفهامية مرفوعة . انتهى . فأصل الإكرام معلوم ، قال البرماوي : وكثير من التفاصيل : أي : معلوم أيضًا . فالخفي بعض التفاصيل . وأما قول البرماوي ، كالكرماني والزركشي ، وسيأتي في سورة الأحقاف : إنها منسوخة بأوّل سورة الفتح ، تعقبه في المصابيح بأنه خبر ، وهو لا يدخله النسخ ، فلا يقال : فيه : منسوخ وناسخ . انتهى . ولأبي ذر ، عن الكشميهني : ما يفعل به أي : بعثمان . قال في الفتح وهو غلط منه ، فإن المحفوظ في رواية الليث هذا ، ولذا عقبه المصنف برواية نافع بن يزيد عن عقيل التي لفظها : ما يفعل به . ( قالت : فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا ) . وفي الحديث أنه لا يجزم في أحد بأنه من أهل الجنة إلا إن نص عليه الشارع كالعشرة ، لا سيما والإخلاص أمر قلبي لا يطلع عليه . ورواته ما بين : مصري بالميم ، وأيلي ، ومدني . وفيه : التحديث والإخبار ، والعنعنة ، وتابعي عن تابعي عن صحابية . وأخرجه أيضًا في : الجنائز ، والشهادات ، والتفسير ، والهجرة ، والتعبير ، والنسائي في الرؤيا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ . . . مِثْلَهُ . وَقَالَ نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلٍ " مَا يُفْعَلُ بِهِ " . وَتَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمَعْمَرٌ . [ الحديث 1243 - أطرافه في : 2687 ، 3929 ، 7003 ، 7004 ، 7018 ] . وبه قال : ( حدّثنا سعيد بن عفير ) بضم العين وفتح الفاء وسكون التحتية ثم راء ، نسبة لجدّه ، واسم أبيه : كثير المصري ( قال : حدّثنا الليث ) ابن سعد ( مثله ) أي : مثل الحديث المذكور . ( وقال نافع بن يزيد ) مولى شرحبيل بن حسنة القرشي المصري ، مما وصله الإسماعيلي ( عن عقيل ) بضم العين وفتح القاف : ( ما يفعل به ) بالهاء بدل الياء ، أي : بعثمان ، لأنه لا يعلم من ذلك إلا ما يوحى إليه ، واكتفى المؤلّف بهذا القدر ، إشارة إلى أن باقي الحديث متفق عليه . ( وتابعه شعيب ) هو : ابن أبي حمزة ، مما وصله المؤلّف في الشهادات ( وعمرو بن دينار ) بفتح العين ، مما وصله ابن أبي عمر في مسنده ، عن ابن عيينة عنه ، ( ومعمر ) مما وصله المؤلّف في باب العين الجارية من : كتاب التعبير ، من طريق ابن المبارك عنه . 1244 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما - قَالَ : " لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي ، وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لاَ يَنْهَانِي ، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَبْكِينَ أَوْ لاَ تَبْكِينَ ، مَا زَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ " تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَ جَابِرًا - رضي الله عنه - . [ الحديث 1244 - أطرافه في : 1293 ، 2816 ، 4080 ] . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن بشار ) بالموحدة والمعجمة المشددة ( قال : حدّثنا غندر ) بضم الغين المعجمة ، محمد بن جعفر البصري ، ( قال : حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( قال : سمعت محمد بن المنكدر ، قال : سمعت جابر بن عبد الله ) الأنصاري ( رضي الله عنهما ، قال ) : ( لما قتل أبي ) عبد الله بن عمرو يوم أحد ، في شوال سنة ثلاث من الهجرة ، وكان المشركون مثلوا به ، جدعوا أنفه وأذنيه ( جعلت أكشف الثوب عن وجهه ) حال كوني ( أبكي ) عليه ( وينهوني ) وللكشميهني والأصيلي ، وأبي الوقت : ينهونني ، بزيادة نون ثانية بعد الواو على الأصل ( عنه ) أي : عن البكاء ، ولفظة عنه ، ساقطة لأبي ذر ، ( والنبي ، - صَلَّى اللَّهُ