أحمد بن محمد القسطلاني

320

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

واصفرت ألوانهم ، وظهرت السيما على وجوههم ، حتى رحمهم ربهم ، فخفف عنهم . وحكى الشافعي ، عن بعض أهل العلم : أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه ، بقوله : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ } [ المزمل : 20 ] ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس . ( { وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً } ) أي اقرأه مرتلاً بتبيين الحروف وإشباع الحركات من غير إفراط ، وقال أبو بكر بن طاهر : تدبر لطائف خطابه ، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه ، وقلبك بفهم معانيه ، وسرك بالإقبال عليه ( { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } ) أي : القرآن لثقل العمل به ، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن ، أو ثقيلاً في الميزان يوم القيامة ، أخرجه عنه أيضًا من طريق أخرى ( { إن ناشئة الليل } ) مصدر : من نشأ إذا قام ونهض ( { هي أشد وطأ } ) بكسر الواو وفتح الطاء ممدودًا كما في قراءة أبي عمرو ، وابن عامر ، والباقون بفتح الواو وسكون الطاء من غير مد ، أي : قيامًا ( { وأقوم قيلاً } ) أشد مقالاً وأثبت قراءة لهدو الأصوات ، وقيل : أعجل إجابة للدعاء ( { إن لك في النهار سبحًا طويلاً } ) [ المزمل : 73 ] تصرفًا وتقلبًا في مهماتك وشواغلك . وعن السدي : تطوّعًا كثيرًا . وقال السمرقندي : فراغًا طويلاً تقضي حوائجك فيه ، ففرغ نفسك لصلاة الليل . ( وقوله تعالى : { علم أن لن تحصوه } ) أي : علم الله أن لن تطيقوا قيام الليل ، أو : الضمير المنصوب فيه يرجع إلى مصدر مقدر ، أي : علم أن لا يصح منكم ضبط للأوقات ، ولا يتأتى حسابها بالتسوية إلا بالاحتياط ، وهو شاق عليكم ( { فتاب عليكم } ) رخص لكم في ترك القيام المقدر ( { فاقرؤوا ما تيسر من القرآن } ) فصلوا ما تيسر عليكم من قيام الليل ، وهو ناسخ للأول ، ثم نسخا جميعًا بالصلوات الخمس ، أو المراد : قراءة القرآن بعينها ، ثم بيَّن حكمة النسخ بقوله : ( { علم أن سيكون منكم مرضى } ) لا يقدرون على قيام الليل ( { وآخرون يضربون } ) يسافرون ( { في الأرض يبتغون من فضل الله } ) في طلب الرزق منه تعالى ( { وآخرون يقاتلون في سبيل الله } ) يجاهدون في طاعة الله ( { فاقرؤوا ما تيسر منه } ) أي : من القرآن ، قيل : في صلاة المغرب والعشاء ( { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ) الواجبتين أو المراد : صدقة الفطر ، لأنه لم يكن بمكة زكاة ، ومن فسرها بها جعل آخر السورة من المدني . ( { وأقرضوا الله قرضًا حسنًا } ) بسائر الصدقات المستحبة ، وسماه : قرضًا ، تأكيدًا للجزاء ( { وما تقدموا لأنفسكم من خير } ) عمل صالح وصدقة بنية خالصة ( { تجدوه } ) أي : ثوابه ( { عند الله } ) في الآخرة ( { هو خيرًا } ) نصب ثاني مفعولي : وجد ( { وأعظم أجرًا } ) زاد في نسخة : { واستغفروا الله } لذنوبكم { إن الله غفور } لمن تاب { رحيم } [ المزمل : 20 ] لمن استغفر . ( قال ابن عباس رضي الله عنهما ) مما وصله عبد بن حميد بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير ، عنه ، ولأبي ذر ، والأصيلي : قال أبو عبد الله أي : المؤلّف : قال ابن عباس : ( نشأ ) بفتحات ، مهموزًا معناه ( قام ) بتهجد ( بالحبشية ) أي : بلسان الحبشة . وليس في القرآن شيء بغير العربية ، وإن ورد من ذلك شيء فهو من توافق اللغتين ، وعلى هذا ، فناشئة ، كما مر ، مصدر بوزن فاعلة ، من : نشأ إذا قام ، أو اسم فاعل : أي : النفس الناشئة بالليل ، أي التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة أي : تنهض ، وفي الغريبين لأبي عبيد : كل ما حدث بالليل وبدا فهو ناشئ . وفي المجاز لأبي عبيدة : ناشية الليل : آناء الليل ، ناشئة بعد ناشئة . ( وطأ ) بكسر الواو ( قال ) المؤلّف ، مما وصله عبد بن حميد ، من طريق مجاهد ، معناه : ( مواطأة القرآن ) . ولأبي ذر ، والوقت ، مواطأة للقرآن ، بالتنوين واللام ( أشد موافقة لسمعه وبصره وقلبه ) ثم ذكر ما يؤيد هذا التفسير ، فقال في قوله تعالى في سورة براءة { يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا } [ التوبة : 37 ] ( ليواطؤوا ) معناه : ( ليوافقوا ) وقد وصله الطبري عن ابن عباس ، لكن بلفظ : ليشابهوا . 1141 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا - رضي الله عنه - يَقُولُ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لاَ يَصُومَ مِنْهُ ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لاَ يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا . وَكَانَ لاَ تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ ، وَلاَ نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ " . تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَنْ حُمَيْدٍ . [ الحديث 1141 - أطرافه في : 1972 ، 1973 ، 3561 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله ) بن يحيى القرشي العامري ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( محمد بن جعفر ) هو : ابن أبي كثير المدني ( عن حميد ) الطويل ( أنه سمع أنسًا ) ولأبي ذر ، والأصيلي : أنس بن مالك ( رضي الله عنه ، يقول ) : ( كان رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه ) أي : من الشهر ، زاد الأصيلي ، وأبو ذر : شيئًا ( و ) كان ، عليه الصلاة والسلام