أحمد بن محمد القسطلاني
291
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
النبل أو القصب ، واسمه زياد بن فيروز على المشهور ، وليس هو أبا العالية الرياحي ( عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال ) : ( قدم النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وأصحابه ) مكة يوم الأحد ( لصبح رابعة ) من ذي الحجة ، وخرج إلى منى : في الثامن ، فصلّى بمكة إحدى وعشرين صلاة ، من أول ظهر الرابع إلى آخر ظهر الثامن ، فهي أربعة أيام ملفقة ، وهذا موضع الترجمة ، وإن لم يصرح في الحديث بغاية فإنها معروفة في الواقع . أو المراد : إقامته إلى أن توجه إلى المدينة وهي عشرة أيام سواء ، كما مر في حديث أنس . وكنى بقوله ( يلبون بالحج ) عن الإحرام ، والجملة حالية ، أي : قدم ، عليه السلام ، وأصحابه ، حال كونهم محرمين بالحج ( فأمرهم ) عليه الصلاة والسلام ( أن يجعلوها ) أي حجتهم ( عمرة ) وليس هذا من باب الإضمار قبل الذكر ، لأن قوله : بالحج ، يدل على الحجة ( إلا من معه ) وللكشميهني : إلا من كان معه ( الهدي ) بفتح الهاء وسكون الدال : ما يهدى من النعم تقربًا إلى الله تعالى . ووجه استثناء المهدي أنه لا يجوز له التحلل { حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } [ البقرة : 196 ] . وفسخ الحج خاص بالصحابة الذين حجوا معه عليه الصلاة والسلام ، كما رواه أبو داود ، وابن ماجة . ولأبوي ذر ، والوقت ، والأصيلي : هدي بالتنكير . ورواة هذا الحديث كلهم بصريون ، وفيه : التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه مسلم والنسائي في الحج . ( تابعه ) أي : تابع أبا العالية ( عطاء ) أي : ابن أبي رباح في روايته ( عن جابر ) أي : ابن عبد الله ، وهي موصولة عند المؤلّف في : باب التمتع والقران والإفراد ، من كتاب الحج . 4 - باب فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلاَةَ ؟ وَسَمَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم - يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ ، وَهْيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا . هذا ( باب ) بالتنوين ( في كم يقصر ) المصلي ( الصلاة ؟ ) بفتح المثناة التحتية وسكون القاف وضم الصاد ، ولأبوي ذر ، والوقت : تقصر الصلاة ، بضم المثناة الفوقية وفتح القاف والصاد المشددة ، وللأصيلي : تقصر الصلاة ، بضم الفوقية وسكون القاف وفتح الصاد مخففة ، مبنيًّا للمفعول فيهما . والصلاة رفع نائب عنه فيهما أيضًا . ( وسمى النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) في حديث هذا الباب ( يومًا وليلة سفرًا ) وللأربعة ، وعزاها في الفتح لأبي ذر فقط : السفر يومًا وليلة ، أي : وسمى مدة اليوم والليلة سفرًا . ( وكان ابن عمر ) بن الخطاب ( وابن عباس رضي الله عنهم ) ، مما وصله البيهقي بسند صحيح ، ( يقصران ) بضم الصاد ( ويفطران ) بضم أوله وكسر الطاء ( في أربعة برد ) بضم الموحدة والراء وقد تسكن ذهابًا غير الإياب ، ومثله إنما يفعل عن توقيف . فلو قصد مكانًا على مرحلة بنية أن لا يقيم فيه ، فلا قصر له ذهابًا ولا إيابًا ، وإن نالته مشقة مرحلتين متواليتين ، لما روى الشافعي بسند صحيح عن ابن عباس ، أنه سئل : أتقصر الصلاة إلى عرفة ؟ فقال : لا ولكن إلى عسفان ، وإلى جدة ، وإلى الطائف . فقدرها بالذهاب وحده . وقد روي عنه مرفوعًا بلفظ : " يا أهل مكة ! لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد ، من مكة إلى عسفان " . رواه الدارقطني ، وابن أبي شيبة . لكن في إسناده ضعف من أجل عبد الوهاب بن مجاهد . قال البخاري : ( وهي ) أي الأربعة برد ( ستة عشر فرسخًا ) يقينًا أو ظنًا ، ولو باجتهاد ، إذ كل بريد أربعة فراسخ ، وكل فرسخ ثلاثة أميال ، فهي : ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية ، نسبة لبني هاشم ، لتقديرهم لها وقت خلافتهم بعد تقدير بني أمية لا هاشم نفسه ، كما وقع للرافعي . والميل من الأرض منتهى مد البصر ، لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه ، وبذلك جزم الجوهري . وقيل : أن ينظر إلى شخص في أرض مصطحبة ، فلا يدري أهو رجل أو امرأة ، أو هو ذاهب أو آت ، وهو أربعة آلاف خطوة ، والخطوة : ثلاثة أقدام ، فهو اثنا عشر ألف قدم ، وبالذراع ستة آلاف ، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضات ، والإصبع : ست شعيرات معتدلات معترضات ، والشعيرة : ست شعرات من شعر البرذون . وقد حرر بعضهم الذراع المذكور بذراع الحديد المستعمل الآن بمصر والحجاز ، في هذه الأعصار فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن ، فعلى هذا ، فالميل ، بذراع الحديد على القول المشهور : خمسة آلاف ذراع ومايتان وخمسون ذراعًا . انتهى . فمسافة القصر بالبرد أربعة ، وبالفراسخ ستة عشر ، وبالأميال ثمانية وأربعون ميلاً ، وبالأقدام خمسمائة ألف وستة وسبعون ألفًا ، وبالأذرع مائتا ألف وثمانية