أحمد بن محمد القسطلاني

283

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

يعتقد أن إمامه زاد في صلاته جاهلاً ، وإن سجود السهو توجه عليهما . فإذا لم يسجد الإمام سجد المأموم . ذكره في المجموع وغيره : ووقع عند المؤلّف في تفسير سورة : ص ، من طريق مجاهد ، قال : سألت ابن عباس : من أين سجدت ؟ فقال : أو ما تقرأ { وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ } [ الأنعام : 84 ] . . . { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ } [ الأنعام : 90 ] ففي هذا أنه استنبط مشروعية السجود فيها من الآية . وفي حديث الباب : أنه أخذه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ولا تعارض بينهما لاحتمال أن يكون استفاد من الطريقين . وزاد في أحاديث الأنبياء ، من طريق مجاهد أيضًا ، فقال ابن عباس : نبيكم ممن أمر أن يقتدى بهم ، فاستنبط منه وجه سجود النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها ، من الآية . والمعنى : إذا كان نبيكم مأمورًا بالاقتداء بهم ، فأنت أولى . وإنما أمره بالاقتداء بهم ليستكمل بجميع فضائلهم الجميلة ، وخصائلهم الحميدة ، وهي نعمة ليس وراءها نعمة . فيجب عليه الشكر لذلك . وفي الحديث : التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه أيضًا في : أحاديث الأنبياء ، وأبو داود والترمذي في : الصلاة ، والنسائي في : التفسير . 4 - باب سَجْدَةِ النَّجْمِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( باب سجدة ) سورة ( النجم ) . ( قاله ) أي : روى السجود في سورة النجم ( ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) كما سيأتي في الباب التالي لهذا الباب . 1070 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ بِهَا ، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلاَّ سَجَدَ ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَقَالَ : يَكْفِينِي هَذَا . فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا " . وبه قال : ( حدّثنا حفص بن عمر ) بضم العين ، الحوضي الأزدي البصري ( قال : حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن أبي إسحاق ) عمرو بن عبد الله السبيعي ( عن الأسود ) بن يزيد النخعي ( عن عبد الله ) بن مسعود ( رضي الله عنه ) : ( أن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ سورة النجم ، فسجد بها ) ولأبي الوقت في نسخة : فسجد فيها ، أي : لما فرغ من قراءتها ( فما بقي أحد من القوم ) الذين اطلع عليهم عبد الله بن مسعود ( إلا سجد ) معه عليه الصلاة والسلام . ( فأخذ رجل من القوم ) الحاضرين : أمية بن خلف ، أو غيره ( كفًّا من حصى أو تراب ) شك الراوي ( فرفعه إلى وجهه ، وقال : يكفيني هذا ) بفتح أول يكفيني . ( فلقد ) زاد أبو ذر ، والوقت ، والأصيلي : قال عبد الله ، أي : ابن مسعود : فلقد ( رأيته ) أي : الرجل ( بعد قتل كافرًا ) . فيه أن من سجد معه من المشركين أسلم . 5 - باب سُجُودِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ ، وَالْمُشْرِكُ نَجَسٌ لَيْسَ لَهُ وُضُوءٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضي الله عنهما - يَسْجُدُ عَلَى غير وُضُوءٍ . ( باب سجود المسلمين مع المشركين ، والمشرك نجس ) بفتح الجيم ( ليس له وضوء ) صحيح لأنه ليس أهلاً للعبادة . ( وكان ابن عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنهما ، يسجد ) في غير الصلاة ( على غير وضوء ) . لم يوافقه أحد عليه ، لأن السجود في معنى الصلاة ، فلا يصح إلا بالوضوء ، أو : بدله بشروطه . نعم ، وافق ابن عمر الشعبي فيما رواه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح . واعترض على الترجمة بأنه : إن أراد المؤلّف الاحتجاج لابن عمر بسجود المشركين ، فلا حجة فيه ، لأن سجودهم لم يكن للعبادة . وإن أراد الرد على ابن عمر بقوله : والمشرك نجس ، فهو أشبه بالصواب . وفي رواية الأصيلي : يسجد على وضوء ، فأسقط لفظ : غير ، والأولى ثبوتها لانطباق تبويب المصنف ، واستدلاله عليه . ويؤيده ما عند ابن أبي شيبة ، أن ابن عمر كان ينزل عن راحلته فيريق الماء ، ثم يركب ، فيقرأ السجدة ، فيسجد وما يتوضأ . 1071 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ بِالنَّجْمِ ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ " . وَرَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ . [ الحديث 1071 - طرفه في : 4862 ] . وبالسند إلى المؤلّف قال : ( حدّثنا مسدد ) أي : ابن مسرهد ( حدّثنا عبد الوارث ) بن سعيد ( قال : حدّثنا أيوب ) هو السختياني ( عن عكرمة ) مولى ابن عباس ( عن ابن عباس رضي الله عنهما ) : ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سجد بالنجم ) زاد الطبراني في معجمه الصغير : بمكة . وفيه تنبيه على اتحاد قصة ابن مسعود السابقة ، وابن عباس هذه . قيل : وإنما سجد ، عليه الصلاة والسلام لما وصفه الله تعالى في مفتتح السورة من أنه { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى } [ النجم : 3 ] وذكر بيان قربه منه تعالى وأنه { رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } [ النجم : 18 ] وأنه { مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى } [ النجم : 17 ] شكرًا لله تعالى على هذه النعمة العظمى . ( وسجد معه المسلمون والمشركون ) أي : الحاضر منهم ، أي : لما سمعوا ذكر طواغيتهم { اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى } [ النجم : 19 - 20 ] لا لما قيل ، مما لا يصح : أنه أثنى على آلهتهم . وكيف يتصوّر ذلك ، وقد أدخل همزة الإنكار على الاستخبار ، بعد الفاء في قوله في السورة