أحمد بن محمد القسطلاني

275

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

في الكسوف ، وهل يقتصر على العتاقة ، أو هي من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى ؟ الظاهر الثاني لقوله تعالى : { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا } [ الإسراء : 59 ] وإذا كانت من التخويف ، فهي داعية إلى التوبة والمسارعة إلى جميع أفعال البر ، كل على قدر طاقته . ولما كان أشد ما يتوقع من التخويف : النار ، جاء الندب بأعلى شيء يتقي به النار ، لأنه قد جاء : من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار ، فمن لم يقدر على ذلك فليعمل بالحديث العام ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : " اتقوا النار ولو بشق تمرة " . ويأخذ من وجوه البر ما أمكنه ، قاله ابن أبي جمرة . 12 - باب صَلاَةِ الْكُسُوفِ فِي الْمَسْجِدِ ( باب صلاة الكسوف في المسجد ) . 1055 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها : " أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا فَقَالَتْ : أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ . فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ " . وبالسند قال ( حدّثنا إسماعيل ) بن أبي أُويس ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( مالك ) الإمام ( عن يحيى بن سعيد ) الأنصاري ( عن عمرة ) بفتح العين ، وسكون الميم ( بنت ) ولأبي ذر ، في نسخة ، ولأبي الوقت : ابنة ( عبد الرحمن ) بن سعد الأنصارية ( عن عائشة رضي الله عنها ) : ( أن يهودية جاءت تسألها ) عطية ( فقالت ) لها ( أعاذك الله من عذاب القبر ، فسألت عائشة ) رضي الله عنها ( رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أيعذب الناس في قبورهم ؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( عائذًا ) أي : أعوذ عياذًا ، أو : أعوذ حال كوني عائذًا ( بالله ) ولأبي ذر في نسخة : عائذ بالرفع ، خبر لمحذوف أي : أنا عائذ بالله ( من ذلك ) أي من عذاب القبر . 1056 - " ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَكَسَفَتِ الشَّمْسُ ، فَرَجَعَ ضُحًى فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ ظَهْرَانَىِ الْحُجَرِ ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ سُجُودًا طَوِيلاً ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ وَهْوَ دُونَ السُّجُودِ الأَوَّلِ . ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ " . ( ثم ركب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات غداة مركبًا ) بسبب موت ابنه إبراهيم ( فكسفت الشمس ) ، بفتح الكاف كمركبًا ( فرجع ) من الجنازة ( ضُحًى ) بالتنوين . قال في الصحاح : تقول لقيته ضحى ، وضحى إذا أردت به ضحى يومك لم تنوّنه ، ثم بعده الضحاء ممدود مذكر ، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى . ( فمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين ظهراني الحجر ) بفتح النون ، ولا تقل : ظهرانيهم ، بكسرها . والألف والنون زائدتان ، والحجر : بضم الحاء وفتح الجيم ، بيوت أزواجه عليه الصلاة والسلام ، وكانت لاصقة بالمسجد . وعند مسلم من رواية سليمان بن بلال : عن يحيى ، عن عمرة : فخرجت في نسوة بين ظهراني الحجر في المسجد ، فأتى النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، من مركبه حتى انتهى إلى مصلاه الذي كان يصلّي فيه . . . الحديث ؛ فصرح بكونها في المسجد . ودل على سنيتها فيه كونه رجع إلى المسجد ، ولم يصلها في الصحراء . ولولا ذلك لكانت صلاتها في الصحراء أجدر برؤية الانجلاء . وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى . ( ثم قام ) عليه الصلاة والسلام ( فصلّى ) صلاة الكسوف ( وقام الناس وراءه ) يصلون ( فقام قيامًا طويلاً ، ثم ركع ركوعًا طويلاً ، ثم رفع فقام ) ولأبي ذر في نسخة : وقام ( قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول ، ثم ركع ركوعًا طويلاً ، وهو دون الركوع الأول ) من الركعة الأولى ( ثم رفع ، فسجد ) ولأبي ذر في نسخة : ثم سجد ( سجودًا طويلاً ، ثم قام ) إلى الركعة الثانية ( فقام قيامًا طويلاً ، وهو دون القيام الأول ) من الركعة الأولى ( ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول ) من الأولى ( ثم قام قيامًا طويلاً ، وهو دون القيام الأول ) من هذه الثانية ( ثم ركع ركوعًا طويلاً ، وهو دون الركوع الأول ) من هذه الثانية ، وسقط لأبي ذر من قوله : ثم ركع إلى قوله ( ثم سجد وهو دون السجود الأول ) من الركعة الأولى ، وندب قراءة البقرة بعد الفاتحة ، ثم موالياتها في القيامات كما مر . ( ثم انصرف ) من الصلاة بعد التشهد بالتسليم ( فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ما شاء الله أن يقول ) من أمره لهم : بالصدقة ، والعتاقة ، والذكر والصلاة ( ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر ) لعظم هوله ، وأيضًا : فإن ظلمة الكسوف إذا عمت الشمس تناسب ظلمة القبر . 13 - باب لاَ تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ وَالْمُغِيرَةُ وَأَبُو مُوسَى وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهم . هذا ( باب ) بالتنوين : ( لا تنكسف الشمس ) بالكاف ( لموت أحد ولا ) تنكسف ( لحياته ) . ( رواه ) أي قوله : " لا تنكسف الشمس لموت أحد ولا لحياته " ، هؤلاء الصحابة ( أبو بكرة ) نفيع بن الحرث ( والمغيرة ) بن شعبة ، كما تقدم حديثهما في أول باب الكسوف ، ( وأبو موسى ) عبد الله بن قيس الأشعري ، كما سيأتي في الباب التالي ( وابن عباس ) عبد الله كما تقدم