أحمد بن محمد القسطلاني
266
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وقال ابن قدامة : لم يبلغنا عن أحد ذلك ؟ وقال الحنفية والمالكية : لا خطبة فيها ، وعلله صاحب الهداية من الحنفية : بأنه لم ينقل . وأجيب : بأن الأحاديث ثابتة فيه ، وهي ذات كثرة على ما لا يخفى . وعلله بعضهم بأن خطبته عليه الصلاة والسلام ، إنما كانت للرد عليهم في قولهم : إن ذلك لموت إبراهيم ، فعرفهم أن ذلك لا يكون لموت أحد ولا لحياته . وعورض بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة ، وحكاية شرائطها من : الحمد ، والثناء ، والموعظة ، وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث ، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف ، والأصل مشروعية الاتباع . والخصائص لا تثبت إلا بدليل ، والمستحب أن تكون خطبتين كالجمعة في الأركان ، فلا تجزئ واحدة . ( ثم قال ) عليه الصلاة والسلام في الخطبة : ( هما ) أي كسوف الشمس والقمر ( آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتموها ) أي : كسوف الشمس والقمر ، ولأبوي ذر ، والوقت ، والأصيلي ، وابن عساكر : رأيتموها ، بالإفراد ، أي : الكسفة ( فافزعوا ) بفتح الزاي ، أي التجئوا وتوجهوا ( إلى الصلاة ) المعهودة الخاصة ، السابق فعلها منه عليه الصلاة والسلام ، قبل الخطبة ، لأنها ساعة خوف . ورواة هذا الحديث كلهم : مصريون بالميم ، إلا الزهري ، وعروة : فمدنيان ، وفيه التحديث ، والعنعنة ، والقول ، وأخرجه أيضًا في : الصلاة ، ومسلم : في الكسوف ، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجة . قال الزهري ، عطفًا على قوله : حدّثني عروة ( وكان يحدث كثير بن عباس ) بن عبد المطلب الهاشمي ، أبو تمام ، صحابي صغير ، وهو بالمثلثة والرفع : اسم كان ، وخبرها يحدث مقدمًا ، أي : وكان كثير يحدث ( أن ) أخاه لأبيه ( عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما ، كان يحدث يوم خسفت الشمس ) بفتح الخاء والسين ( بمثل حديث عروة ) بن الزبير ( عن عائشة ) رضي الله عنها في مسلم ، عن عروة ، عنها أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جهر في صلاة الخسوف بقراءته ، فصلّى أربع ركعات في ركعتين ، وأربع سجدات . قال الزهري : وأخبرني كثير بن عباس ، عن ابن عباس ، عن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه صلّى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات . . . الحديث . قال الزهري ( فقلت لعروة ) بن الزبير بن العوام الفقيه التابعي ، المتوفى سنة أربع وتسعين ومائة : ( إن أخاك ) أي عبد الله بن الزير بن العوام الصحابي ، رضي الله عنه ، ( يوم خسفت الشمس بالمدينة ) بفتح الخاء والسين ( لم يزد على ) صلاة ( ركعتين مثل ) صلاة ( الصبح ) في العدد والهيئة . ( قال ) عروة : ( أجل ) يعني : نعم ، صلّى كذلك ( لأنه أخطأ السنة ) ولأبي الوقت من غير اليونينية : إنه أخطأ السنة ، أي : جاوزها سهوًا ، أو عمدًا بأن أدى اجتهاده إلى ذلك ، لأن السنة أن يصلّي في كل ركعة ركوعان . نعم ، ما فعله عبد الله يتأدى به أصل السنة ، وإن كان فيه تقصير بالنسبة إلى كمال السنة . فإن قلت : الأولى الأخذ بفعل عبد الله لكونه صحابيًا ، لا بقول أخيه عروة التابعي . أجيب : بأن قول عروة : السنة كذا ، وإن قلنا إنه مرسل على الصحيح . لكن قد ذكر عروة مستنده في ذلك ، وهو خبر عائشة المرفوع ، فانتفى عنه احتمال كونه موقوفًا أو منقطعًا . فترجح المرفوع على الموقوف ، فلذلك حكم على صنيع أخيه بالخطأ بالنسبة إلى الكمال . والله أعلم . 5 - باب هَلْ يَقُولُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوْ خَسَفَتْ ؟ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَخَسَفَ الْقَمَرُ } [ القيامة : 8 ] هذا ( باب ) بالتنوين ( هل يقول ) القائل ( كسفت الشمس ) بالكاف ( أو ) يقول ( خسفت ) بالخاء المعجمة . زاد ابن عساكر فقال : أو خسفت الشمس . قيل أورده ردًا على المانع من إطلاقه بالكاف على الشمس . رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح موقوف عن عروة من طريق الزهري بلفظ : لا تقولوا : كسفت الشمس ، ولكن قولوا : خسفت . والأصح أن الكسوف والخسوف المضافين للشمس والقمر بمعنى يقال : كسفت الشمس والقمر ، وخسفتا بفتح الكاف والخاء مبنيًّا للفاعل ، و : كسفًا وخسفًا : بضمهما مبنيًّا للمفعول وانكسفا وانخسفا ، انفعل ، ومعنى المادتين واحد ، أو يختص ما بالكاف بالشمس ، وما بالخاء بالقمر . وهو المشهور على ألسنة الفقهاء . واختاره ثعلب ، وادعى الجوهري أفصحيته ، ونقل عياض عكسه ، وعورض بقوله تعالى : { وَخَسَفَ الْقَمَرُ } [ القيامة : 8 ] ويدل