أحمد بن محمد القسطلاني
251
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
المؤلّف مما وصله أبو نعيم ( حدّثني ) بالإفراد ( أبو بكر بن أبي أويس ) الأصبحي المدني ، أخو إسماعيل بن أبي أويس ( عن سليمان بن بلال ) التيمي ، مولاهم ( قال يحيى بن سعيد ) الأنصاري ، ولأبي ذر : عن يحيى بن سعيد قال : ( سمعت أنس بن مالك ) رضي الله عنه ( قال ) : ( أتى رجل أعرابي ) ، ولابن عساكر : أتى أعرابي ( من أهل البدو ) فيه تضعيف قول من قال : إنه العباس ( إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الجمعة ) وهو قائم يخطب ، فاستقبله قائمًا ( فقال ) وللأصيلي قال : ( يا رسول الله ! هلكت الماشية ) . وسبق في باب الدعاء إذا كثر المطر ، قال : كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب يوم جمعة ، فقام الناس فصاحوا ، فقالوا : يا رسول الله ! قحط المطر . . . والجمع بين الروايتين أن الرجل قام أولاً فتبعه الناس ، وكذا في الجمعة الأخرى ، أو أنهم صاحوا ، فقام الرجل فتكلم عنهم ، أو المراد بالناس : الرجل لأنه لما كان قائمًا عنهم عبر عنه بهم ، وكأنهم هم الذين صاحوا . قاله ابن التين . وإذا قلنا بتخصيص الرجل الأعرابي بالكلام ، فترك خواص الصحابة لذلك ، لأن مقامهم العليّ يقتضي الرضا والتسليم ، بخلاف مقام السائل ، فإنه مقام فقر وتمسكن . ( هلك العيال ) ولابن عساكر : هلكت العيال ، بتأنيث الضمير ، ( هلك الناس . فرفع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يديه ) حال كونه ( يدعو ، ورفع الناس أيديهم معه ) ولأبوي ذر ، والوقت ، وابن عساكر : مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( يدعون ) . استدلّ به على استحباب رفع اليدين في الدعاء للاستسقاء ، ولذا لم يرو عن الإمام مالك ، رحمه الله ، أنه رفع يديه إلاّ في دعاء الاستسقاء خاصة . وهل ترفع في غيره من الأدعية أم لا ؟ الصحيح الاستحباب في سائر الأدعية . رواه الشيخان وغيرهما . أما حديث أنس ، المروي في الصحيحين وغيرهما ، الآتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى : أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلاّ في الاستسقاء ، فإنه : كان يرفع يديه حتى يُرى بياضُ إبطيه . فمؤوّل على أنه لا يرفعهما رفعًا بليغًا ، ولذا قال في المستثنى : حتى يُرى بياضُ إبطيه . نعم ، ورد رفع يديه عليه الصلاة والسلام في مواضع . كرفع يديه حتى ريء عفرة إبطيه ، حين استعمل ابن اللتبية على الصدقة ، كما في الصحيحين . ورفعهما أيضًا في قصة خالد بن الوليد ، قائلاً : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ، رواه البخاري والنسائي . ورفعهما على الصفا ، رواه مسلم وأبو داود . ورفعهما ثلاثًا بالبقيع مستغفرًا لأهله ، رواه البخاري في رفع اليدين ، ومسلم حين تلا قوله تعالى : ( { إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ } [ إبراهيم : 36 ] الآية قائلاً : " اللهم أمتي أمتي " رواه مسلم . ولما بعث جيشًا فيهم عليّ قائلاً : " اللهم لا تمتني حتى تريني عليًّا " . رواه الترمذي . ولما جمع أهل بيته ، وألقى عليهم الكساء ، قائلاً " اللهم هؤلاء أهل بيتي " . رواه الحاكم . وقد جمع النووي في شرح المهذّب نحوًا من ثلاثين حديثًا في ذلك من الصحيحين وغيرهما ، وللمنذري فيه جزء . قال الروياني : ويكره رفع اليد النجسة في الدعاء ، قال : ويحتمل أن يقال : لا يكره بحائل . وفي مسلم وأبي داود ، عن أنس ، أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كان يستسقي هكذا ، ومدّ يديه ، وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه . فقال أصحابنا الشافعية وغيرهم : السنة في دعاء القحط ، ونحوه من رفع بلاء ، أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء ، وهي صفة الرهبة ، وإن سأل شيئًا يجعل بطونهما إلى السماء . والحكمة أن القصد رفع البلاء بخلاف القاصد حصول شيء ، أو تفاؤلاً ليقلب الحال ظهرًا لبطن ، وذلك نحو صنيعه في تحويل الرداء ، أو إشارة إلى ما يسأله ، وهو أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصب ما فيه من المطر . ( قال ) أنس : ( فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا ) بدون همزة ، مبنيًّا للمفعول . ( فما زلنا نمطر ) بضم النون وفتح الطاء ( حتى كانت الجمعة الأخرى . فأتى رجل ) أي الأول ، لأن الألف واللام للعهد الذكري . وقد مر ما فيه ، لكن رواية ابن عساكر : فأتى رجل ، صارفة لتعيينه ، مثبتة للتردد . ( إلى نبي الله ) ولأبوي ذر ، والوقت ، وابن عساكر : رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال : يا رسول الله ! بشق ) بالموحدة المفتوحة والمعجمة المكسورة ، وبالقاف ، كذا قيده كراع في المنضد ، ولأبوي ذر ، والوقت : بشق ، بفتح المعجمة ، وقيد به الأصيلي ، أي : مل ،