أحمد بن محمد القسطلاني

246

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

هو الأول ( إلى النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقال : يا رسول الله ! تهدمت البيوت ) من كثرة المطر ( وتقطعت السبل ) بالمثناة الفوقية وتشديد الطاء أي : تعذر سلوكها ( وهلكت المواشي ) فادع الله يمسكها ( فقال رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( اللهم ) أي : يا الله انزل المطر ( على ظهور الجبال والآكام ) بكسر الهمزة جمع : أكمة ، بفتحها : ما غلظ من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلاً وكان أكبر ارتفاعًا مما حوله . ويروى : الآكام بفتح الهمزة ومدها ، والاكم بضم الهمزة والكاف . جمع : إكام ككتاب وكتب ( وبطون الأودية ، ومنابت الشجر ) جمع منبت بكسر الموحدة ، أي : ما حولها مما يصلح أن ينبت فيه ، لأن نفس النبت لا يقع عليه المطر . ( فانجابت ) أي : السحب الممطرة ( عن المدينة انجياب الثوب ) . فإن قلت : تقدم باب : سؤال الناس الإمام إذا قحطوا ، فما الفرق بينه وبين هذا الباب ؟ . أجاب الزين بن المنير : بأن الأولى لبيان ما على الناس أن يفعلوه إذا احتاجوا للاستسقاء . والثانية : لبيان ما على الإمام من إجابة سؤالهم . وأجاب ابن المنير أيضًا عن السر في كونه عليه الصلاة والسلام لم يبدأ بالاستسقاء حتى سألوه ، مع أنه عليه الصلاة والسلام ، أشفق عليهم منهم ، وأولى بهم من أنفسهم ، بأن مقامه عليه الصلاة والسلام التوكل والصبر على البأساء والضراء ، ولذلك كان أصحابه الخواص يقتدون به ، وهذا المقام لا يصل إليه العامة وأهل البوادي ، ولهذا ، والله أعلم ، كان السائل في الاستسقاء بدويًّا ، فلما سألوه أجاب رعاية لهم وإقامة لسنة هذه العبادة فيمن بعده من أهل الأزمنة التي يغلب على أهلها الجزع ، وقلة الصبر على اللأواء ، فيؤخذ منه أن الأفضل للأئمة الاستسقاء ، ولن ينفرد بنفسه ، بصحراء أو سفينة ، الصبر والتسليم للقضاء ، لأنه عليه الصلاة والسلام قبل السؤال فوّض ولم يستسق . 13 - باب إِذَا اسْتَشْفَعَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْقَحْطِ هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط ) . 1020 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ : " إِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنِ الإِسْلاَمِ ، فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا ، وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ . فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، جِئْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا ، فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى . فَقَرَأَ : { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى } يَوْمَ بَدْرٍ - قَالَ وَزَادَ أَسْبَاطٌ عَنْ مَنْصُورٍ - : فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسُقُوا الْغَيْثَ ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا . وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا . فَانْحَدَرَتِ السَّحَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ ، فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ " . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن كثير ) العبدي البصري ( عن سفيان ) الثوري ( قال : حدّثنا منصور والأعمش ) سليمان بن مهران ، كلاهما ( عن أبي الضحى ) مسلم بن صبيح بالتصغير ( عن مسروق ) هو : ابن الأجدع ( قال : أتيت ابن مسعود ) عبد الله رضي الله عنه . وفي سورة الروم من التفسير عن مسروق قال : بينما رجل يحدث في كندة فقال : يجيء دخان يوم القيامة ، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام ، ففزعنا ، فأتيت ابن مسعود ( فقال : ) . ( إن قريشًا أبطأوا ) أي : تأخروا ( عن الإسلام ) ولم يبادروا إليه ( فدعا عليهم النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فقال ( اللهم أعني عليهم بسع كسبع يوسف ) ( فأخذتهم سنة ) بفتح السين ، أي : جدب وقحط ( حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ) ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان من ضعف بصره بسبب الجوع . ( فجاءه أبو سفيان ) صخر بن حرب ( فقال : يا محمد ، جئت تأمر بصلة الرحم ، وإن قومك ) ذوي رحمك ( هلكوا ) وللكشميهني : قد هلكوا ، أي : بدعائك عليهم من الجدب والجوع ( فادع الله تعالى ) لهم ، فإن كشف عنا نؤمن بك ( فقرأ ) عليه الصلاة والسلام ( { فارتقب } ) أي : انتظر لهم ( { يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } ) [ الدخان : 10 ] زاد أبو ذر : الآية . ( ثم عادوا ) لما كشف الله عنهم ( إلى كفرهم ) فابتلاهم الله تعالى بيوم البطشة ( فذلك قوله تعالى : { يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى } [ الدخان : 16 ] يوم بدر ) أو : يوم القيامة ، زاد الأصيلي { إنا منتقمون } . والعامل في : يوم ، فعل : دل عليه : إنّا منتقمون ، لأن إن مانع من عمله فيما قبله ، أو : بدل من يوم تأتي ، وهذا يدل على أن مجيء أبي سفيان إليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان قبل الهجرة ، لأنه لم ينقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر . ( قال ) أي : البخاري ( وزاد ) ولابن عساكر : قال أبو عبد الله وسقط ذلك كله لأبي ذر ، واقتصر على قوله : وزاد ( أسباط ) بفتح الهمزة وسكون المهملة وبالموحدة آخره طاء مهملة ، ابن نصر ، لا : أسباط بن محمد ( عن منصور ) عن أبي الضحى ، يعني بإسناده السابق . ( فدعا رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فسقوا الغيث ) بضم السين والقاف ، مبنيًّا للمفعول ،