أحمد بن محمد القسطلاني

202

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

عن الحموي والكشميهني والمستملي : أحدًا ( منهم ) ، لا التاركين لأول الوقت عملاً بظاهر النهي ، ولا الذين فهموا أنه كناية عن العجلة . قال النووي ، رحمه الله : لا احتجاج به على إصابة كل مجتهد ، لأنه لم يصرّح بإصابتهما ، بل ترك التعنيف ، ولا خلاف أن المجتهد لا يعنف ولو أخطأ إذا بذل وسعه ، قال : وأما اختلافهم فسببه تعارض الأدلة عندهم ، فالصلاة مأمور بها في الوقت ، والمفهوم من : " لا يصلّين " المبادرة ، فأخذ بذلك من صلّى لخوف فوات الوقت ، والآخرون أخّروها عملاً بالأمر بالمبادرة لبني قريظة . اه - . واستشكل قوله هنا : العصر ، مع ما في مسلم : الظهر . وأجيب : بأن ذلك كان بعد دخول وقت الظهر ، فقيل لمن صلاّها بالمدينة : لا تصلّ العصر إلاّ في بني قريظة ، ولمن لم يصلها : لا تصلِّ الظهر إلا فيهم . ويأتي مزيد لذلك ، إن شاء الله تعالى في المغازي ، بعون الله تعالى . ورواة هذا الحديث ما بين بصري ومدني ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه مسلم ، كالبخاري في المغازي . 6 - باب التَّبْكِيرِ وَالْغَلَسِ بِالصُّبْحِ ، وَالصَّلاَةِ عِنْدَ الإِغَارَةِ وَالْحَرْبِ ( باب التبكير ) . بالموحدة قبل الكاف وبعد المثناة . كذا في رواية أبي ذر ، عن الكشميهني ، من : بكر ، إذا أسرع وبادر ، ولأبي ذر أيضًا ، والأصيلي وأبي الوقت ، عن الحموي ، والمستملي : التكبير ، بالموحدة بعد الكاف ، أي قول : الله أكبر ( والغلس ) بفتح الغين المعجمة واللام ، الظلمة آخر الليل ، أي : التغليس ( بالصبح والصلاة ) والتكبير ( عند الإغارة ) بكسر الهمزة ، أي الهجوم على العدوّ غفلة ( و ) عند ( الحرب ) . 947 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ، ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ . فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ وَيَقُولُونَ : مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ - قَالَ : وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ - فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذَّرَارِيَّ ، فَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ، وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا " . فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِثَابِتٍ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسًا مَا أَمْهَرَهَا ؟ قَالَ أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا . فَتَبَسَّمَ . وبالسند قال : ( حدّثنا مسدد ) هو ابن مسرهد ( قال : حدّثنا حماد ) ولأبي ذر : حماد بن زيد ( عن عبد العزيز بن صهيب ، وثابت البناني ) بموحدة مضمومة ونونين بينهما ألف وآخره ياء النسب ، كلاهما ( عن أنس بن مالك ) سقط من رواية ابن عساكر : ابن مالك ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، صلّى الصبح ) عند خيبر ( بغلس ) أي : في أوّل وقتها ، على عادته الشريفة ، أو لأجل مبادرته إلى الركوب ، ( ثم ركب فقال ) لما أشرف على خيبر : ( الله أكبر : خربت خيبر ) ثقة بوعد الله تعالى ، حيث يقول : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( 172 ) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } [ الصافات : 171 - 173 ] { فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ } [ الصافات : 177 ] . فلما نزل جند الله بخيبر مع الصباح لزم الإيمان بالنصر وفاء بالعهد ، ويبين هذا قوله : ( إنّا إذا نزلنا بساحة قوم ) أي : بفنائهم ( فساء صباح المنذرين ) أي : فبئس صباح المنذرين صباحهم ، فكأن ذلك تنبيهًا على مصداق الوعد بمجموع الأوصاف . ( فخرجوا ) أي : أهل خيبر ، حال كونهم ( يسعون في السكك ) بكسر السين ، جمع سكة ، أي : في أزقة خيبر ( ويقولون ) : جاء أو : هذا ( محمد والخميس ) برفع الخميس ، عطفًا على سابقه ، ونصبه على المفعول معه . ( قال : والخميس ) هو : ( الجيش ) لانقسامه إلى خمسة : ميمنة وميسرة وقلب ومقدمة وساقة . ( فظهر عليهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقتل ) النفوس ( المقاتلة ) بكسر المثناة الفوقية ، أي : وهي الرجال ( وسبى الذراري ) بالذال المعجمة وتشديد الياء وتخفيفها ، كالعواري ، جمع : ذرية ، وهي : الولد . والمراد بالذراري : غير المقاتلة ( فصارت صفية ) بنت حيي ، سيد بني قريظة والنضير ( لدحية الكلبي ) أعطاها له عليه الصلاة والسلام قبل القسمة ، لأن له صفيّ المغنم يعطيه لمن يشاء ( وصارت ) أي : فصارت ، أو : ثم صارت بعده ( لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) استرجعها منه برضاه ، أو اشتراها منه ، لما جاء : أنه أعطاه عنها سبعة أرؤس ، أو : أنه إنما كان أذن له في جارية من حشوا السبي ، لا من أفضلهن ، فلما رآه أخذ أنفسهن نسبًا وشرفًا وجمالاً استرجعها ، لأنه لم يأذن له فيها ، ورآى أن في إبقائها مفسدة لتميّزه بها على سائر الجيش ، ولما فيه من انتهاكها مع مرتبتها ، وربما ترتب على ذلك شقاق ، فكان أخذها لنفسه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاطعًا لهذه المفاسد ، ( ثم تزوّجها ) عليه الصلاة والسلام ( وجعل صداقها عتقها ) لأن عتقها كان عندها أعز من الأموال الكثيرة ، ولأبي ذر : عتقتها ، بزيادة مثناة فوقية بعد القاف . ( فقال عبد العزيز ) بن صهيب المذكور ( الثابت ) البناني : ( يا أبا محمد ! أنت ) بحذف همزة الاستفهام