أحمد بن محمد القسطلاني

193

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الرؤية الواقعة على التجارة أو اللهو . والترديد للدلالة على أن منهم من انفض لمجرد سماع الطبل ورؤيته . وقد استشكل الأصيلي حديث الباب ، مع وصفه تعالى الصحابة بأنهم { لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ } [ النور : 37 ] وأجاب باحتمال أن يكون هذا الحديث قبل نزول الآية . قال في فتح الباري : وهذا الذي يتعين المسير إليه مع أنه ليس في آية النور ، التصريح بنزولها في الصحابة ، وعلى تقدير ذلك ، فلم يكن تقدّم لهم نهي عن ذلك ، فلما نزلت آية الجمعة وفهموا منها ذمّ ذلك اجتنبوه ، فوصفوا بما في آية النور . اه - . ورواة الحديث ما بين : بغدادي وكوفي وواسطي ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في البيوع ، والتفسير ، ومسلم في الصلاة ، والترمذي في التفسير ، وكذا النسائي فيه وفي الصلاة . 39 - باب الصَّلاَةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَهَا ( باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها ) قدم البعد على القبل خلافًا لعادته لورود الحديث في البعد صريحًا دون القبل . 937 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ . وَكَانَ لاَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ " . [ الحديث 937 - أطرافه في : 1165 ، 1172 ، 1180 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) الإمام ( عن نافع ) مولى ابن عمر ( عن عبد الله بن عمر ) بن الخطاب ، رضي الله عنهما ، ولابن عساكر : عن ابن عمر ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كان يصلّي قبل الظهر ركعتين ، وبعدها ركعتين ، وبعد المغرب ركعتين في بيته ، وبعد العشاء ركعتين ، وكان لا يصلّي بعد الجمعة حتى ينصرف ) من المسجد إلى بيته ( فيصلّي ) فيه ( ركعتين ) لأنه لو صلاهما في المسجد ربما يتوهم أنهما اللتان حذفتا . وصلاة النفل في الخلوة أفضل ، ولم يذكر شيئًا في الصلاة قبلها ، والظاهر أنه قاسها على الظهر . وأقوى ما يستدل به في مشروعيتها ، عموم ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير ، مرفوعًا : " ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان " . وأما احتجاج النووي في الخلاصة على إثباتها بما في بعض طرق حديث الباب ، عند أبي داود وابن حبّان ، من طريق أيوب ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ، ويصلّي بعدها ركعتين في بيته ، ويحدث : أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفعل ذلك . فتعقب بأن قوله : كان يفعل ذلك ، عائد على قوله : ويصلّي بعد الجمعة ركعتين في بيته . ويدل له رواية الليث ، عن نافع ، عن عبد الله : أنه كان إذا صلّى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته . ثم قال : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصنع ذلك . رواه مسلم . وأما قوله : كان يطيل الصلاة قبل الجمعة ، فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعًا ، لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كان يخرج إذا زالت الشمس ، فيشتغل بالخطبة ، ثم بصلاة الجمعة ، وإن كان المراد قبل دخول الوقت ، فذاك مطلق نافلة ، لا صلاة راتبة ، فلا حجة فيه لسُنّة الجمعة التي قبلها ، بل هو تنفل مطلق ، قاله في الفتح . وينبغي أن يفصل بين الصلاة التي بعد الجمعة وبينها ، ولو بنحو كلام أو تحول ، لأن معاوية أنكر على من صلّى سُنّة الجمعة في مقامها ، وقال له : إذا صليت الجمعة فلا تصلّها بصلاة حتى تخرج ؛ أو تتكلم ، فإن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمرنا بذلك ، أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نخرج أو نتكلم ، رواه مسلم . وقال أبو يوسف : يصلّي بعدها ستًّا ، وقال أبو حنيفة ومحمد : أربعًا كالتي قبلها ، له : أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يصلّي بعد الجمعة أربعًا ، ثم يصلّي ركعتين إذا أراد الانصراف ، ولهما ، قوله عليه الصلاة والسلام ، من شهد منكم الجمعة فليصل أربعًا قبلها ، وبعدها أربعًا . رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن عبد الرحمن السهمي ، وهو ضعيف عند البخاري وغيره . وقال المالكية : لا يصلّي بعدها في المسجد ، لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كان ينصرف بعد الجمعة ، ولم يركع في المسجد . وقال صاحب تنقيح المقنع ، من الحنابلة : ولا سُنّة لجمعة قبلها نصًّا ، وما بعدها في كلامه . وحديث الباب أخرجه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة . 40 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } ( باب قول الله تعالى : { فإذا قضيت الصلاة } أي : فرغتم من صلاة الجمعة ( { فانتشروا في الأرض } ) للتكسب والتصرف في حوائجكم ( { وابتغوا من فضل الله } ) [ لجمعة : 10 ] . أي : رزقه ، أو تعليم العلم . والأمر في الموضعين للإباحة بعد الحظر ، وقول : إنه للوجوب في حق من يقدر على الكسب قول شاذ ، ووهم من زعم أن الصارف للأمر عن الوجوب ، هنا ، كونه