أحمد بن محمد القسطلاني

186

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

وجوب الجلوس بين الخطبتين لمواظبته عليه الصلاة والسلام على ذلك ، مع قوله : " صلوا كما رأيتموني أصلي " . وتعقبه ابن دقيق العيد بأن ذلك يتوقف على ثبوت أن إقامة الخطبتين داخلة تحت كيفية الصلاة ، وإلا فهو استدلال بمجرد الفعل . انتهى . فهو أصل لا يتناول الخطبة ، لأنها ليست بصلاة حقيقة . وعورض أيضًا الاستدلال للوجوب بمواظبته عليه ، بأنه عليه الصلاة والسلام قد واظب على الجلوس قبل الخطبة الأولى ، فإن كانت مواظبته دليلاً على شرطية الجلسة بينهما ، فلتكن دليلاً على شرطية الجلسة الأولى . وأجيب : بأن كل الروايات عن ابن عمر ليس فيها هذه الجلسة الأولى . وهي من رواية عبد الله بن عمر المضعف ، فلم تثبت المواظبة عليها بخلاف التي بين الخطبتين . ولم يشترط الحنفية والمالكية والحنابلة هذه القعدة ، إنما قالوا بسنيتها للفصل بين الخطبتين . نعم ، نقل الحافظ العراقي في شرح الترمذي اشتراطها عن مشهور مذهب أحمد ، وقال المازري ، من المالكية : يشترط القيام لهما والجلوس بينهما . وقال القاضي أبو بكر : القيام والجلوس واجبان ، وهو يرد على الطحاوي حيث زعم أن الشافعي تفرّد بالاشتراط . لكن الذي شهره الشيخ خليل السنيّة ، وكذا مشهر مذهب الحنابلة علاي الدين المرداوي في تنقيح المقنع ، والله أعلم . ويستحب أن يكون جلوسه بينهما قدر سورة الإخلاص تقريبًا ، لاتباع السلف والخلف ، وأن يقرأ فيه شيئًا من كتاب الله للاتباع ، رواه ابن حبّان . 31 - باب الاِسْتِمَاعِ إِلَى الْخُطْبَةِ ( باب الاستماع ) أي ، الإصغاء ( إلى الخطبة ) يوم الجمعة . 929 - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتِ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ . وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً ، ثُمَّ كَبْشًا ، ثُمَّ دَجَاجَةً ، ثُمَّ بَيْضَةً . فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ » . [ الحديث 929 - طرفه في : 3211 ] . وبالسند ، قال : ( حدّثنا آدم ) بن أبي أياس ( قال : حدّثنا ابن أبي ذئب ) محمد بن عبد الرحمن ( عن ) ابن شهاب ( الزهري ، عن أبي عبد الله ) سلمان الجهني ، مولاهم ، ( الأغرّ ) لقبًا ، الأصبهاني أصلاً ، المدني ( عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأوّل فالأوّل ) قال في المصابيح : نصب على الحال ، وجاءت معرفة وهو قليل ( ومثل المهجر ) بضم الميم وتشديد الجيم المكسورة أي ، وصفة المبكر ، أو المراد : الذي يأتي في الهاجرة ، فيكون دليلاً للمالكية ، وسبق البحث فيه ، ( كمثل الذي يهدي ) بضم أوله وكسر ثالثه أي : يقرّب ، وللأصيلي : كالذي يهدي ( بدنة ) من الإبل ، خبر عن قوله مثل الهجر ، والكاف لتشبيه صفة بصفة أخرى ( ثم ) الثاني ( كالذي يهدي بقرة ، ثم ) الثالث كالذي يهدي ( كبشًا ، ثم ) الرابع كالذي يهدي ( دجاجة ، ثم ) الخامس كالذي يهدي ( بيضة ) . إنما قدرنا بالثاني لأنه كما قال في المصابيح : لا يصح العطف على الخبر لئلا يقعا معًا خبرًا عن واحد ، وهو مستحيل ، وحينئذ فهو خبر مبتدأ محذوف مقدّر بما مر ، وكذا قوله : ثم كبشًا ، لا يكون معطوفًا على بقرة ، لأن المعنى يأباه ، بل هو معمول فعل محذوف دلّ عليه التقدم ، والتقدير كما مر ، ثم الثالث : كالذي يهدي كبشًا ، وكذا ما بعده . ( فإذا خرج الإمام طوَوْا ) أي الملائكة ، ( صحفهم ) التي كتبوا فيها درجات السابقين على من يليهم في الفضيلة ، ( ويستمعون الذكر ) أي الخطبة . وأتى بصيغة المضارع لاستحضار صورة الحال اعتناءً بهذه المرتبة ، وحملاً على الاقتداء بالملائكة . وهذا موضع الاستشهاد على الترجمة . قال التيمي : في استماع الملائكة حضّ على استماعها والإنصات إليها . وقد ذكر كثير من المفسرين أن قوله تعالى : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } [ الأعراف : 204 ] ورد في الخطبة ، وسميت قرآنًا لاشتمالها عليه ، والإنصات : السكوت ، والاستماع : شغل السمع بالسماع ، فبينهما عموم وخصوص من وجه . واختلف العلماء في هذه المسألة ، فعند الشافعية ، يكره الكلام حال الخطبة من ابتدائها لظاهر الآية ، وحديث مسلم عن أبي هريرة : " إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة ، والإمام يخطب ، فقد لغوت " . ولا يحرم ، للأحاديث الدالّة على ذلك ، كحديث أنس المروي في في الصحيحين : بينما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب يوم الجمعة ، قام أعرابي ، فقال : يا رسول الله ، هلك المال ، وجاع العيال ، فادعُ الله لنا ، فرفع يديه ودعا . وحديث أنس أيضًا ، المروي بسند صحيح عند البيهقي : أن رجلاً دخل والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب يوم الجمعة ، فقال : متى الساعة ؟ فأومأ