أحمد بن محمد القسطلاني
175
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
يؤخرون فيها تأخيرًا كثيرًا ، كمكة ، لما فيه من الضرر ، فلو تبايع مقيم ومسافر أثما جميعًا لارتكاب الأول النهي وإعانة الثاني له عليه . نعم ، يستثنى من تحريم البيع ما لو احتاج إلى ماء طهارته ، أو إلى ما يواري به عورته ، أو يقوته عند اضطراره ، ولو باع وهو سائر إليها ، وأو في الجامع جاز ، لأن المقصود أن لا يتأخر عن السعي إلى الجمعة . لكن يكره البيع ونحوه في المسجد ، لأنه ينزّه عن ذلك . وعند الحنفية يكره البيع مطلقًا ولا يحرم . ( وقال عطاء ) هو ابن أبي رباح ، مما وصله عبد بن حميد في تفسيره : ( تحرم الصناعات كلها ) لأنها بمنزلة البيع في الشاغل عن الجمعة . ( وقال إبراهيم بن سعد ) بسكون العين ، ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني ، ( عن ) ابن شهاب ( الزهري : إذا أذن المؤذن يوم الجمعة ، وهو مسافر ، فعليه ) أي : على طريق الاستحباب ، ( أن يشهد ) أي الجمعة . لكن اختلف على الزهري فيه ، فروي عنه هذا ، وروي عنه : لا جمعة على مسافر على طريق الوجوب . قال ابن المنذر : وهو كالإجماع ، ويحتمل أن يكون مراده بقوله : فعليه أن يشهد ، ما إذا اتفق حضور المسافر في موضع تقام فيها الجمعة فسمع : النداء لها ، إلا أنه يلزمه حضورها مطلقًا ، حتى يحرم عليه السفر قبل الزوال من البلد الذي يدخله مجتازًا . وقال المالكية : تجب عليه ، إذا أدركه صوت المؤذن قبل مجاوزة الفرسخ . 907 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ قَالَ : أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الْجُمُعَةِ فَقَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : « مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ » . [ الحديث 907 - طرفه في : 2811 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني ( قال : حدّثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدّثنا يزيد ابن أبي مريم ) الدمشقي إمام جامعها ، قال الزركشي : ووقع في أصل كريمة : بريد ، بضم الموحدة وبالراء ، وهو : غلط ، وللأصيلي ابن أبي مريم الأنصاري : ( قال : حدّثنا عباية بن رفاعة ) بفتح العين المهملة وتخفيف الموحدة وكسر راء ، رفاعة بن خديج الأنصاري ( قال : أدركني أبو عبس ) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة آخره مهملة ، عبد الرحمن بن جبر ، بالجيم المفتوحة والموحدة الساكنة والراء ، الأنصاري ( وأنا أذهب إلى الجمعة ) ، جملة اسمية حالية ( فقال : سمعت النبي ) ولأبي ذر : رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يقول ) : ( من أغبرت قدماه ) أي : أصابهما غبار ( في سبيل الله ) اسم جنس مضاف يفيد العموم ، فيشمل الجمعة ، ( حرمه الله ) كله ( على النار ) . وجه المطابقة من قوله : أدركني أبو عبس . . . ، لأنه لو كان يعدو لما احتمل الوقت المحادثة لتعذرها مع العدو . ورواة الحديث ما بين مديني ودمشقي ، وليس لأبي عبس في البخاري إلا هذا الحديث ، ويزيد أفراده ، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي والتحديث والسماع والقول ، وأخرجه المؤلّف في الجهاد ، وكذا الترمذي والنسائي . 908 - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : « إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا » . وبه قال : ( حدّثنا آدم ) بن أبي إياس ( قال : حدّثنا ابن أبي ذئب ) عبد الرحمن ( قال : حدّثنا ) ابن شهاب ( الزهري ، عن سعيد ) بكسر العين ، ابن المسيب ( و ) عن ( أبي سلمة ) ابن عبد الرحمن ( عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . ثم ساق لهذا سندًا آخر فقال : ( وحدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع ( قال : أخبرنا شعيب ) هو : اين أبي حمزة : ( عن ) ابن شهاب ( الزهري قال : أخبرني ) بالإفراد ( أبو سلمة بن عبد الرحمن ) رضي الله تعالى عنه ( أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول ) : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها ) حال كونكم ( تسعون ) ، لما يلحق الساعي من التعب وضيق النفس المنافي للخشوع المطلوب ، ( و ) لكن ( ائتوها تمشون ، عليكم ) ولأبي ذر ، والأصيلي ، وابن عساكر : وعليكم ( السكينة ) بالرفع ، مبتدأ أخبر عنه بسابقة . والجملة حال من ضمير : وأتوها تمشون وبالنصب لغير أبي ذر على الإغراء ، أي : الزموا السكينة أي : الهينة والتأني . والنهي متوجه إلى السعي ، لا إلى الإتيان ، واستشكل النهي بما في قوله تعالى : { فاسعوا } [ الجمعة : 9 ] . وأجيب : بأن المراد به في الآية : القصد ، أو الذهاب ، أو العمل ، كما مر . وفي الحديث : الإسراع ، لأنه قابله بالمشي حيث قال : وأتوها تمشون . قال الحسن : ليس السعي الذي في الآية على الأقدام بل على القلوب . ( فما أدركتم ) مع الإمام من الصلاة ( فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) . فيه أن ما يدرك المرء من باقي صلاة