أحمد بن محمد القسطلاني
156
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة ، كما ذكره ابن إسحاق وغيره ، أو : هدانا الله له بالاجتهاد . كما يدل عليه مرسل ابن سيرين عند عبد الرزاق بإسناد صحيح ، ولفظه : جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقبل أن ينزل الجمعة ، قالت الأنصار : إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام ، وللنصارى مثل ذلك ، فهلمّ فلنجعل يومًا نجتمع فيه ، فنذكر الله تعالى ونصلي ونشكره ، فجعلوه يوم العروبة ، واجتمعوا فيه إلى أسعد بن زرارة ، فصلّى بهم . الحديث . وله شاهد بإسناد حسن عند أبي داود ، وصححه ابن خزيمة وغيره من حديث كعب بن مالك . قال : كان أول مَن صلّى بنا الجمعة قبل مقدم رسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة أسعد بن زرارة . ( فالناس لنا فيه تبع ) ولأبي ذر : فالناس لنا تبع ( اليهود ) أي : تعييد اليهود ( غدًا ) يوم السبت ( و ) تعييد ( النصارى بعد غد ) يوم الأحد كذا قدّره ابن مالك ليسلم من الأخبار بظرف الزمان عن الجنة . ووجه اختيار اليهود يوم السبت لزعمهم أنه يوم فرغ الله فيه من خلق الخلق ، قالوا : فنحن نستريح فيه من العمل ، ونشتغل بالعبادة والشكر . والنصارى : الأحد ، لأنه أول يوم بدأ فيه بخلق الخلق ، فاستحق التعظيم . وقد هدانا الله تعالى للجمعة لأنه خلق فيه آدم عليه الصلاة والسلام ، والإنسان إنما خلق للعبادة . وهو اليوم الذي فرضه الله تعالى عليهم ، فلم يهدهم له ، وادّخره لنا . واستدلّ به النووي رحمه الله تعالى على فرضية الجمعة لقوله : فرض عليهم ، فهدانا الله له . فإن التقدير فرض عليهم وعلينا ، فضلوا وهدينا . ويؤيده رواية مسلم عن سفيان عن أبي الزناد : كتب علينا . ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين حمصي ومدني ، وفيه التحديث والسماع والقول ، وأخرجه مسلم والنسائي . 2 - باب فَضْلِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَلْ عَلَى الصَّبِيِّ شُهُودُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، أَوْ عَلَى النِّسَاءِ ؟ ( باب فضل الغسل يوم الجمعة ، وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء ) ؟ 877 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ » [ الحديث 877 - طرفاه في : 894 ، 919 ] . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) الإمام ( عن نافع ) مولى ابن عمر ( عن عبد الله بن عمر ) بن الخطاب ، ولابن عساكر : عن ابن عمر ( رضي الله عنهما : أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( إذا جاء ) أي : إذا أراد ( أحدكم الجمعة ، فليغتسل ) بإضافة أحد إلى ضمير الجمع ، ليعمّ الرجال والنساء والصبيان . واستشكل دلالة الحديث على ما ترجم له من شهود الصبي والمرأة للجمعة ، فإن القضية الشرطية لا تدل على وقوع المجيء . وأجيب بأنه استفيد من : إذا ، فإنها لا تدخل إلا في مجزوم بوقوعه . وتعقب بأنه خرج بقوله ، في ثالث حديث الباب : على كل محتلم : الصبي ، وبعموم النهي في منع النساء من المساجد إلا بالليل حضورهنّ الجمعة . وفي بعض طرق حديث نافع عند أبي داود بإسناد صحيح ، لكنه ليس على شرط المصنف ، عن طارق بن شهاب مرفوعًا : لا جمعة على امرأة ولا صبي . نعم ، لا بأس بحضور العجائز بإذن الأزواج ، وليحترزن من الطيب والزينة . وظاهر قوله : إذا جاء فليغتسل . أن الغسل يعقب المجيء ، وليس كذلك . وإنما التقدير : إذا أراد أحدكم . . . كما مرّ . وقد وقع ذلك صريحًا عند مسلم في رواية الليث ، عن نافع ، ولفظه : إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة . . . فهو كآية الاستعاذة . وفي حديث أبي هريرة : من اغتسل يوم الجمعة ثم راح . . . ، وهو صريح في تأخر الرواح عن الغسل . وقد علم من تقييد الغسل بالمجيء أن الغسل للصلاة لا لليوم ، وهو مذهب الشافعي ، ومالك ، وأبي حنيفة ، رحمهم الله ، فلو اغتسل بعد الصلاة لم يكن للجمعة ، ولو اغتسل بعد الفجر أجزأه عند الشافعية والحنفية ، خلافًا للمالكية والأوزاعي . وفي حديث إسماعيل بن أمية ، عن نافع ، عند أبي عوانة وغيره : كان الناس يغدون في أعمالهم ، فإذا كانت الجمعة جاؤوا وعليهم ثياب متغيرة ، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقال : " من جاء منكم الجمعة فليغتسل " . فأفاد سبب الحديث . واستدلّ به المالكية في أنه يعتبر أن يكون الغسل متصلاً بالذهاب ، لئلا يفوت الغرض . وهو رعاية الحاضرين من التأذّي بالروائح حال الاجتماع ، وهو غير مختص بمن تلزمه قالوا : ومن اغتسل ثم اشتغل عن الرواح إلى أن بعد ما بينهما عرفًا ، فإنه يعيد الغسل لتنزيل البعد منزلة الترك . وكذا إذا نام اختيارًا بخلاف من غلبه