أحمد بن محمد القسطلاني
138
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
أيضًا قوله : من سبقكم ، في رواية الأصيلي . والسبقية المذكورة رجح ابن دقيق العيد أن تكون معنوية ، وجوّز غيره أن تكون حسية ، قال الحافظ : والأوّل أولى . اه - . ( ولم يدرككم أحد بعدكم ) لا من أصحاب الأموال ولا من غيرهم ، ( وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه ) بفتح النون مع الإفراد ، ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر : بين ظهرانيهم ، أي : من أنتم بينهم ( إلا مَن عمل ) من الأغنياء ( مثله ) فلستم خيرًا . لأن هذا هو نقيض الحكم الثابت للمستثنى منه ، وانتقاء خيرية المخاطبين بالنسبة إلى من عمر مثل عملهم صادق بمساواتهم لهم في الخيرية ، وبها يجُاب عن استشكال ثبوت الأفضلية في خير مع التساوي في العمل الفهوم من قوله : أدركتم ، وهو أحسن من التأويل : بإلا مَن عمل مثله . وزاد : بغيره من فعل البر ، أشار إليه البدر الدماميني ، لكن لا يمتنع أن يفوق الذكر مع سهولته الأعمال الشاقّة الصعبة من الجهاد ، ونحوه ، وإن ورد : أفضل العبادات أحمزها ، لأن في الإخلاص في الذكر من المشقّة ، ولا سيما الحمد في حال الفقر ، ما يصير به أعظم الأعمال . وأيضًا فلا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقّة ، في كل حال ، فإن ثواب كلمة الشهادتين مع سهولتها ، أكثر من العبادات الشاقة . وإذا قلنا إن الاستثناء يعود على كل من السابق والمدرك ، كما هو قاعدة الشافعي ، رحمه الله ، في أن الاستثناء المتعقب للجمل عائد على كلها ، يلزم قطعًا أن يكون الأغنياء أفضل : إذ معناه : إن أخذتم أدركتم إلا مَن عمل مثله فإنكم لا تدركون . ( تسبّحون ، وتحمدون ، وتكبرون خلف كل صلاة ) أي مكتوبة . وعند المصنف في الدعوات : دبر كل صلاة ، ورواية : خلف ، مفسرة لرواية : دبر ، وللفريابي من حديث أبي ذر : إثر كل صلاة ، أي : تقولون كل واحد من الثلاثة ( ثلاثًا وثلاثين ) فالمجموع لكل فرد فرد ، والأفعال الثلاثة تنازعت في الظرف ، وهو : خلف ، و : في ثلاثًا وثلاثين ، وهو مفعول مطلق ، وقيل المراد المجموع للجميع . فإذا وزع كان لكل واحد من الثلاثة أحد عشر ، ويبدأ بالتسبيح لأنه يتضمن نفي النقائص عنه تعالى ، ثم ثنى بالتحميد لأنه يتضمن إثبات الكمال له ، إذ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال ، ثم ثلث بالكبير إذ لا يلزم من نفي النقائص . وإثبات الكمال نفي أن يكون هناك كبير آخر . وقد وقع في رواية ابن عجلان تقديم التكبير على التحميد ، ومثله لأبي داود من حديث أم حكيم ، وله في حديث أبي هريرة : يكبر ويحمد ويسبح ، وهذا الاختلاف يدل على أن لا ترتيب فيه ، ويستأنس له بقوله في حديث : " الباقيات الصالحات لا يضرك بأيّهنّ بدأت " . لكن ترتيب حديث الباب الموافق لأكثر الأحاديث أولى لما مر . قال سميّ : ( فاختلفنا بيننا ) أي : أنا وبعض أهلي ، هل كل واحد ثلاثًا وثلاثين أو المجموع ( فقال بعضنا : نسبح ثلاثًا وثلاثين ، ونحمد ثلاثًا وثلاثين ونكبر أربعًا وثلاثين ) ، قال سميّ : ( فرجعت إليه ) أي ، أبي صالح . والقائل أربعًا وثلاثين بعض أهل سميّ ، أو القائل ، فاختلفنا ، أبو هريرة . والضمير في : فرجعت له ، وفي إليه ، للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، والخلاف بين الصحابة وهم القائلون : أربعًا وثلاثين ، كما هو ظاهر الحديث ، لكن الأول أقرب لوروده في مسلم ، ولفظه : قال سميّ : فحدثت بعض أهلي هذا الحديث . فقال : وهمت . فذكر كلامه ، قال : فرجعت إلى أبي صالح ، إلا أن مسلمًا لم يوصل هذه الزيادة . ( فقال ) النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أو أبو صالح ( تقول ) : ( سبحان الله والحمد لله ، والله أكبر ، حتى يكون ) العدد ( منهن كلهن ثلاثًا وثلاثين ) . وهل العدد للجميع أو المجموع ؟ . ورواية ابن عجلان ظاهرها أن العدد للجميع ، ورجحه بعضهم للإتيان فيه بواو العطف . والمختار أن الإفراد أولى لتميزه باحتياجه إلى العدد ، وله على كل حركة لذلك ، سواء كان بأصابعه أو بغيرها ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث ، ثم إن الأفضل الإتيان بهذا الذكر متتابعًا في الوقت الذي عين فيه ، وهل إذا زيد على العدد المنصوص عليه من الشارع يحصل ذلك الثواب المترتب عليه أم لا ؟ قال بعضهم : لا يحصل ، لأن لتلك الأعداد حكمة وخاصية ، وإن خفيت علينا ، لأن كلام الشارع لا يخلو عن حكم ، فربما يفوت بمجاوزة ذلك العدد