أحمد بن محمد القسطلاني
133
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وبركة متابعته ، فالتفتوا ، فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر ، فأقبلوا عليه قائلين السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، وهذا على طريقة أهل العرفان . قال الحافظ ابن حجر ، رحمه الله تعالى : وقد ورد في بعض طرق ابن مسعود ما يقتضي المغايرة بين زمانه عليه الصلاة والسلام ، فيقال بلفظ الخطاب ، وأما بعده فبلفظ الغيبة . ففي الاستئذان من صحيح البخاري ، من طريق أبي معمر عن ابن مسعود ، بعد أن ساق حديث التشهد ، قال : وهو بين ظهرانينا ، فلما قبض قلنا : السلام ، يعني على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كذا في البخاري وأخرجه أبو عوانة في صحيحه ، والسراج ، والجوزقيّ ، وأبو نعيم الأصبهاني ، والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم ، شيخ البخاري ، فيه بلفظ : فلما قبض قلنا : السلام على النبي ، بحذف لفظ : يعني . قال السبكي في شرح المنهاج ، بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده : إن صح هذا عن الصحابة دلّ على أن الخطاب في السلام بعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غير واجب ، فيقال السلام على النبي . اه - . قال في فتح الباري : قد صح بلا ريب ، وقد وجدت له متابعًا قويًا . قال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج ، أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون ، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حي : السلام عليك أيها النبي ، فلما مات قالوا : السلام على النبي ، وهذا إسناد صحيح . ( السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنكم إذا قلتم ، أصاب ) ولابن عساكر وأبي الوقت وأبي ذر عن الكشميهني : إذا قلتم ذلك أصاب ( كل عبد ) صالح ( في السماء أو ) قال ( بين السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . ثم يتخير ) ، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر : ثم ليتخير ( من الدعاء أعجبه إليه فيدعو ) . زاد مسدد في رواية أبي داود : فيدعو به ، وللنسائي فليدع به . وهذا موضع الترجمة . وهو مع الترجمة يشير إلى أن الدعاء السابق في الباب الذي قبله لا يجب ، وإن كان ورد بصيغة الأمر . ثم إن المنفي في قوله في الترجمة : وليس بواجب ، يحتمل أن يكون الدعاء . أي : لا يجب دعاء مخصوص . وإن كان التخيير مأمورًا به ، ويحتمل أن يكون المنفي التخيير ، ويحمل الأمر الوارد به على الندب ، ويحتاج إلى دليل . قال ابن رشيد : ليس التخيير في آحاد الشيء بدالٍّ على عدم وجوبه ، فقد يكون أصل الشيء واجبًا ويقع التخيير في وصفه . وقال ابن المنير : ثم ليتخير ، وإن كان بصيغة الأمر لكنها كثيرًا ما ترد للندب . اه - . ثم إن قوله : ثم ليتخير من الدعاء أعجبه ، شامل لكل دعاء مأثور وغيره مما يتعلق بالآخرة ، كقوله : اللهم أدخلني الجنة . أو الدنيا ، مما يشبه كرم الناس كقوله : اللهم ارزقني زوجة جميلة ودراهم جزيلة ، وبذلك أخذ الشافعية والمالكية ما لم يكن إثمًا . وقصره الحنفية على ما يناسب المأثور فقط ، مما لا يشبه كلام الناس ، محتجين بقوله عليه الصلاة والسلام : " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس " . ولنا قوله ، عليه الصلاة والسلام : " سلوا الله حوائجكم حتى الشسع لنعالكم ، والملح لقدوركم " . نعم استثنى بعض الشافعية ما يقبح من أمر الدنيا ، قال في الفتح : فإن أراد الفاحش من اللفظ فمحتمل ، وإلاّ فلا شك أن الدعاء بالأمور المحرمة مطلقًا لا يجوز . اه - . وهذا الاستثناء ذكره أبو عبد الله الأبي وعبارته : واستثنى بعض الشافعية من مصالح الدنيا ما فيه سوء أدب ، كقوله : اللهم أعطني امرأة جميلة ، هنها كذا ، ثم يذكر أوصاف أعضائها . اه - . وقال ابن المنير : الدعاء بأمور الدنيا في الصلاة ، خطر ، وذلك أنه قد تلتبس عليه الدنيا الجائزة بالمحظورة ، فيدعو بالمحظورة ، فيكون عاصيًا متكلمًا في الصلاة ، فتبطل صلاته ، وهو لا يشعر ، ألا ترى أن العامّة ، يلتبس عليها الحق بالباطل ، فلو حكم حاكم على عامي بحق فظنه باطلاً ، فدعا على الحاكم باطلاً بطلت صلاته ، وتمييز الحظوظ الجائزة من المحرمة عسر جدًّا ، فالصواب أن لا يدعو بدنياه إلاّ على تثبت من الجواز . اه - . 151 - باب مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ حَتَّى صَلَّى قَالَ أَبُو عَبدِ اللهِ : رأيتُ الحُمَيديَّ يحتجُّ بهذا الحديثِ أن لا يمسَحَ الجبهةَ في الصلاةِ . ( باب من لم يمسح جبهته وأنفه ) من الماء والطين وهو في الصلاة ( حتى صلّى ) . ( قال أبو عبد الله ) البخاري ( رأيت الحميدي ) عبد الله بن الزبير المكي ( يحتج بهذا الحديث ) الآتي : ( أن لا يمسح ) المصلي ( الجبهة ) والأنف وهو ( في الصلاة ) . وفي اليونينية ، بهامشها ، وهذا ثابت عند الأربعة هنا ، وهو في الأصول