أحمد بن محمد القسطلاني

90

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

أربع عشرة أو خمس عشرة ومائة ، ( عن ابن عمر ) بن الخطاب عبد الله ( رضي الله عنهما ) ، هاجر به أبوه واستصغر يوم أُحُد وشهد الخندق وبيعة الرضوان والمشاهد ، وكان واسع العلم متين الدين وافر الصلاح وتوفي سنة ثلاث وسبعين وله في البخاري مائتان وسبعون حديثًا ( قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( بني الإسلام ) الذي هو الانقياد ( على خمس ) أي خمس دعائم ، وقال بعضهم ، على بمعنى من أي بني الإسلام من خمس ، وبهذا يحصل الجواب عما يقال إن هذه الخمس هي الإسلام ، فكيف يكون الإسلام مبنيًّا عليها والمبني لا بدّ أن يكون غير المبني عليه ، ولا حاجة إلى جواب الكرماني بأن الإسلام عبارة عن المجموع والمجموع غير كل واحد من أركانه : ( شهادة أن لا إله إلاّ الله و ) شهادة ( أن محمدًا رسول الله ، وإقام الصلاة ) أي المداومة عليها ، والمراد الإتيان بها بشروطها وأركانها ، ( وإيتاء الزكاة ) أي إعطائها مستحقيها بإخراج جزء من المال على وجه مخصوص كما سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى في محله بعون الله ، ( والحج ) إلى بيت الله الحرام ، ( وصوم ) شهر ( رمضان ) . بخفض شهادة على البدل من خمس ، وكذا ما بعدها . ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف أي وهي والنصب بتقدير أعني ، قال البدر الدماميني : أما وجه الرفع فواضح ، وأما وجه الجر فقد يقال فيه إن البدل من خمس هو مجموع المجرورات المتعاطفة لا كل واحد منها . فإن قلت : يكون كل منها بدل بعض ، قلت حينئذ يحتاج إلى تقدير رابط اه - . " ولا " في قوله : لا إله إلاّ الله ، هي النافية للجنس وإله اسمها مركب معها تركيب مزج كأحد عشر ، والفتحة فتحة بناء ، وعند الزجاج فتحة إعراب لأنه عنده منصوب بها لفظًا وخبرها محذوف اتفافًا تقديره موجود ، وإلاّ حرف استثناء ، والاسم الكريم مرفوع على البدلية من الضمير المستتر في الخبر ، وقيل : مرفوع على الخبرية لقوله لا وعليه جماعة . وفي هذه المسألة مباحث ضربت عليها بعد أن أثبتها خوف الإطالة ، ثم إن هذا التركيب عند علماء المعاني يفيد القصر وهو في هذه الكلمة من باب قصر الصفة على الموصوف لا العكس ، فإن إله في معنى الوصف . فإن قلت : لمَ قدّم النفي على الإثبات فقيل لا إله إلا الله ولم يقل الله لا إله إلاّ هو بتقديم الإثبات على النفي ؟ أجيب : بأنه إذا نفى أن يكون ثم إله غير الله فقد فرّغ قلبه مما سوى الله بلسانه ليواطىء القلب وليس مشغولاً بشيء سوى الله تعالى ، فيكون نفي الشريك عن الله تعالى بالجوارح الظاهرة والباطنية . ووجه الحصر في الخمسة أن العبادة إما قولية أو غيرها . الأولى الشهادتان ، والثانية إما تركية أو فعلية ، الأولى الصوم ، والثانية إما بدنية أو مالية الأولى الصلاة ، والثانية الزكاة أو مركبة منهما وهي الحج ، وقد ذكره مقدّمًا على الصوم . وعليه بنى المصنف ترتيب جامعه هذا . لكن عند مسلم من رواية سعد بن عبيدة عن ابن عمر تأخير الصوم عن الحج ، فقال رجل وهو يزيد بن بشر السكسكي : والحج وصوم رمضان . فقال ابن عمر : لا ، صيام رمضان والحج هكذا سمعته من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فيحتمل أن يكون حنظلة رواه هنا بالمعنى لكونه لم يسمع رد ابن عمر على يزيد أو سمعه ونسيه ، نعم رواه ابن عمر في مسلم من أربع طرق تارة بالتقديم وتارة بالتأخير . فإن قلت : لِمَ لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وأسقط الجهاد ؟ أجيب : بأن الجهاد فرض كفاية ولا يتعين إلا في بعض الأحوال ، وإنما لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة لأن المراد بالشهادة تصديق الرسول فيما جاء به ، فيستلزم جميع ما ذكر من الاعتقادات . وفي قوله : بني الخ استعارة بأن يقدر الاستعارة في بني ، والقرينة في الإسلام شبه ثبات الإسلام واستقامته على هذه الأركان الخمسة ببناء الخباء على هذه الأعمدة الخمسة ، ثم تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل ، أو تكون مكنية بأن تكون الاستعارة في الإسلام والقرينة بني على التخييل بأن شبه الإسلام بالبيت ، ثم خيل كأنه بيت على المبالغة ، ثم أطلق الإسلام على ذلك المخيل ، ثم خيل له ما يلزم الخباء المشبه به من البناء ، ثم أثبت له ما هو لازم البيت من البناء على الاستعارة التخييلية ثم نسبه إليه ليكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة .