أحمد بن محمد القسطلاني

87

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

اللالكائي أيضًا بسند صحيح عن البخاري قال : لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص . وأما توقف مالك رحمه الله عن القول بنقصانه فخشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج ، ثم استدل المؤلف على زيادة الإيمان بثمان آيات من القرآن العظيم مصرّحة بالزيادة ، وبثبوتها يثبت المقابل ، فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان ضرورة فقال : ( قال ) وفي رواية الأصيلي وقال ( الله تعالى ) بالواو في سورة الفتح ، ولأبي ذر : عز وجل ( ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم ) وقال تعالى في الكهف : ( وزدناهم هدى ) أي بالتوفيق والتثبيت وهذه الآية ساقطة في رواية ابن عساكر كما في فرع اليونينية كهي ، والآية الثالثة في مريم : ( ويزيد الله ) بالواو ، وفي رواية ابن عساكر يزيد الله ، وفي أخرى للأصيلي ، وقال : ويزيد الله ( الذين اهتدوا هدى ) أي بتوفيقه . وقال في القتال وفي رواية ابن عساكر والأصيلي ، وقوله وفي رواية بإسقاطهما والابتداء بقوله : ( والذين اهتدوا زادهم هدى ) بالتوفيق ، ( وآتاهم تقواهم ) . أي بيَّن لهم ما يتقون أو أعانهم على تقواهم أو أعطاهم جزاءها ، وقال تعالى في المدثر : ( ويزداد ) ولابن عساكر والأصيلي ، وقوله : ويزداد ( الذين آمنوا إيمانًا ) بتصديقهم بأصحاب النار المذكورين في قوله : { وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً } الآية [ المدّثر : 31 ] . ( وقوله ) تعالى في براءة ( أيّكم زادته هذه ) أي السورة ( إيمانًا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا ) بزيادة العلم الحاصل من تدبرها وبانضمام الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم . ( وقوله جل ذكره ) في آل عمران ( فاخشوهم فزادهم إيمانًا ) لعدم التفاتهم إلى من ثبطهم عن قتال المشركين بل ثبت يقينهم بالله وازداد إيمانهم ، قال البيضاوي وهو دليل على أن الإيمان يزيد وينقص . ( وقوله تعالى ) في الأحزاب ( وما زادهم ) أي لما رأوا الخطب أو البلاء في قصة الأحزاب ، وسقطت واو وما للأصيلي فقال : ما زادهم ( إلا إيمانًا ) بالله ومواعيده ، ( وتسليمًا ) لأوامره ومقاديره . فإن قلت : الإيمان هو التصديق بالله وبرسوله والتصديق شيء واحد لا يتجزأ فلا يتصور كماله تارة ونقصه أخرى ، أجيب بأن قبوله الزيادة والنقص ظاهر على تقدير دخول القول والفعل فيه . وفي الشاهد شاهد بذلك ، فإن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى أنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكلاً منه في بعضها ، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها ، ومن ثم كان إيمان الصدّيقين أقوى من إيمان غيرهم ، وهذا مبني على ما ذهب إليه المحققون من الأشاعرة من أن نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص ، وأن الإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته التي هي الأعمال ونقصانها ، وبهذا يحصل التوفيق بين ظواهر النصوص الدالّة على الزيادة وأقاويل السلف بذلك ، وبين أصل وضعه اللغوي وما عليه أكثر المتكلمين . نعم يزيد وينقص قوة وضعفًا إجمالاً وتفصيلاً أو تعدّدًا بحسب تعدد المؤمن به . وارتضاه النووي . وعزاه التفتازاني في شرح عقائد النسفيّ لبعض المحققين ، وقال في المواقف : إنه الحق وأنكر ذلك أكثر المتكلمين والحنفية ، لأنه متى قبل ذلك كان شكًّا وكفرًا ، وأجابوا عن الآيات السابقة ونحوها بما نقلوه عن إمامهم أنها محمولة على أنهم كانوا آمنوا في الجملة ، ثم يأتي فرض بعد فرض فكانوا يؤمنون بكل فرض خاص . وحاصله أنه كان يزيد بزيادة ما يجب الإيمان به ، وهذا لا يتصور في غير عصره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفيه نظر ، لأن الاطلاع على تفاصيل الفرائض يمكن في غير عصره عليه السلام ، والإيمان واجب إجمالاً فيما علم إجمالاً ، وتفصيلاً فيما علم تفصيلاً ، ولا خفاء في أن التفصيلي أزيد اه - . ثم استدل المؤلف على قبول الزيادة أيضًا بقوله : ( والحب في الله ) وهو بالرفع مبتدأ ( والبغض في الله ) عطف عليه . وقوله : ( من الأيمان ) خبر المبتدأ وهذا لفظ حديث رواه أبو داود من حديث أبي أمامة لأن الحب والبغض يتفاوتان . ( وكتب عمر بن عبد العزيز ) بن مروان الأموي القرشي أحد الخلفاء الراشدين المتوفى بدير سمعان بحمص يوم