أحمد بن محمد القسطلاني
85
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
والأدب في موضعين ، وفي الإيمان والعلم والأحكام والمغازي وخبر الواحد والاستئذان ، وأخرجه مسلم في المغازي ، وأبو داود في الأدب ، والترمذي في الاستئذان ، والنسائي في التفسير . ولم يخرجه ابن ماجة ووجه مناسبة ذكر هذا الحديث في هذا الباب أنه مشتمل على ذكر جمل من أوصاف من يوحى إليه ، والباب في كيفية بدء الوحي ، وأيضًا فإنّ قصة هرقل متضمنة كيفية حاله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ابتداء الأمر . ولما فرغ المؤلف من باب الوحي الذي هو كالمقدمة لهذا الكتاب الجامع شرع يذكر المقاصد الدينية وبدأ منها بالإيمان لأنه ملاك الأمر كله ، لأن الباقي مبنيّ عليه ومشروط به وهو أوّل واجب على المكلف فقال مبتدئًا : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) كأكثر كتب هذا الجامع تبركًا وزيادة في الاعتناء بالتمسك بالسُّنَّة ، واختلفت الروايات في تقديمها هنا على كتاب أو تأخيرها عنه ، ولكلٍّ وجه ووجه الثاني بأنه جعل الترجمة قائمة مقام تسمية السورة ووجه الأوّل ظاهر . بسم الله الرحمن الرحيم 2 - كتاب الإيمان بكسر الهمزة وهو لغة التصديق ، وهو كما قاله التفتازاني إذعان لحكم المخبر وقبوله وجعله صادقًا ، إفعال من الأمن كأن حقيقة آمن به أمنه التكذيب والمخالفة ، يعدّى باللام كما في قوله تعالى حكاية عن يوسف : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } [ يوسف : 17 ] ، أي مصدق لنا ، وبالباء كما في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الإيمان أن تؤمن بالله " . الحديث . فليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة التصديق إلى الخبر أو الخبر من غير إذعان وقبول ، بل هو إذعان وقبول لذلك بحيث يقع عليه اسم التسليم على ما صرَّح به الإمام الغزالي . والكتاب من الكتب وهو الجمع والضم ، ومن ثم استعمل جامعًا للأبواب والفصول الجامعة للمسائل ، والضم فيه بالنسبة إلى الحروف المكتوبة حقيقة ، وبالنسبة إلى المعاني المرادة منها مجاز . ولم يقل في الأول كتاب بدء الوحي لأنه كالمقدمة ، ومن ثم بدأ به لأن من شأن المقدمة كونها أمام المراد ، وأيضًا فإن من الوحي عرف الإيمان وغيره . 1 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ » وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ } - { وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } - { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى } - { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } - { وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } وَقَوْلُهُ : { أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } . وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ : { فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا } . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا } . وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الإِيمَانِ . وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ . فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا ، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : { وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } . وَقَالَ مُعَاذٌ اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْيَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : { شَرَعَ لَكُمْ . . . } أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } : سَبِيلاً وَسُنَّةً . هذا ( باب قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) في الحديث الموصول الآتي تامًّا إن شاء الله تعالى . ( بُنيّ الإسلام على خمس ) . وفي فرع اليونينية كهي ، كتاب الإيمان ، وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وفي أخرى باب الإيمان وقول النبي ، والأول أصح لأن ذكر الإيمان بعد ذكر كتاب الإيمان لا طائل تحته كما لا يخفى ، وسقط لفظ باب عند الأصيلي . والإسلام لغة الانقياد والخضوع ، ولا يتحقق ذلك إلا بقبول الأحكام والإذعان ، وذلك حقيقة التصديق كما سبق ، قال الله تعالى : { فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 35 ) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِين } [ الذاريات : 35 ، 36 ] فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا فهما متحدان في الصدق وإن تغايرا بحسب المفهوم ، إذ مفهوم الإيمان تصديق القلب ، ومفهوم الإسلام أعمال الجوارح ، وبالجملة لا يصح في الشرع أن يحكم على أحد بأنه مؤمن وليس بمسلم أو مسلم وليس بمؤمن ، ولا نعني بوحدتهما سوى هذا . ومن أثبت التغاير فقد يقال له ما حكم من آمن ولم يسلم أو أسلم ولم يؤمن ، فإن أثبت لأحدهما حكمًا ليس بثابت للآخر فقد ظهر بطلان قوله ، فإن قيل قوله تعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا } [ الحجرات : 14 ] . صريح في تحقيق الإسلام بدون الإيمان . أجيب بأن المراد أنهم انقادوا في الظاهر اه - . ( وهو ) أي الإيمان المبوَّب عليه عند المصنف كابن عيينة والثوري وابن جريح ومجاهد ومالك بن أنس وغيرهم من سلف الأمة وخنفها من المتكلمين والمحدثين : ( قول ) باللسان وهو النطق بالشهادتين . ( وفعل ) ، ولأبي ذر عن الكشميهني وعمل بدل فعل ، وهو أعمّ من عمل القلب والجوارح ، لتدخل الاعتقادات والعبادات . وهو موافق لقول السلف اعتقاد بالقلب