أحمد بن محمد القسطلاني
63
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
( إلى أهله ) عياله . ( ويتزود لذلك ) برفع الدال في اليونينية لأبوي ذر والوقت عطفًا على يتحنث ، أي يتخذ الزاد للخلوة أو التعبد . ( ثم يرجع إلى خديجة ) رضي الله عنها ، ( فيتزود لمثلها ) أي لمثل الليالي وتخصيص خديجة بالذكر بعد أن عبر بالأهل يحتمل أنه تفسير بعد الإبهام أو إشارة إلى اختصاص التزوّد بكونه من عندها دون غيرها ، وفيه : أن الانقطاع الدائم عن الأهل ليس من السُّنّة لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم ينقطع في الغار بالكلية ، بل كان يرجع إلى أهله لضروراتهم ثم يخرج لتحنثه . ( حتى جاءه ) الأمر ( الحق ) وهو الوحي ( وهو في غار حراء ، فجاءه الملك ) جبريل يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان وهو ابن أربعين سنة كما رواه ابن سعد . وفاء فجاءه تفسيرية كهي في قوله تعالى : { فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } [ البقرة : 54 ] تفصيلية أيضًا لأن المجيء تفصيل للمجمل الذي هو مجيء الحق . ( فقال ) له ( اقرأ ) يحتمل أن يكون هذا الأمر لمجرد التنبيه والتيقظ لما سيلقى إليه وأن يكون على بابه من الطلب ، فيستدل به على تكليف ما لا يطاق في الحال ، وإن قدر عليه بعد . ( قال ) عليه الصلاة والسلام ولأبوي ذر والوقت قلت ( ما أنا بقارئ ) . وفي رواية ما أحسن أن أقرأ . فما نافية واسمها أنا وخبرها بقارئ وضعف كونها استفهامية بدخول الباء في خبرها وهي لا تدخل على ما الاستفهامية . وأجيب بأنها استفهامية بدليل رواية أبي الأسود في مغازيه عن عروة أنه قال : كيف أقرأ ؟ وفي رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحاق ماذا أقرأ ؟ وبأن الأخفش جوّز دخول الباء على الخبر المثبت ، قال ابن مالك في بحسبك زيد أن زيدًا مبتدأ مؤخر لأنه معرفة ، وحسبك خبر مقدّم لأنه نكرة ، والباء زائدة فيه . وفي مرسل عبيد بن عمير أنه عليه الصلاة والسلام قال : أتاني جبريل بنمط من ديباج فيه كتاب ، فقال : اقرأ . قلت : ما أنا بقارئ . قال السهيلي ، وقال بعض المفسرين أن قوله تعالى : { ألم ( 1 ) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ } [ البقرة : 1 ، 2 ] إشارة إلى الكتاب الذي جاء به جبريل عليه السلام حين قال له اقرأ . ( قال ) عليه الصلاة والسلام : ( فأخذني ) جبريل ( فغطني ) بالغين المعجمة ثم المهملة أي ضمني وعصرني ، وعند الطبري فغتني بالمثناة الفوقية بدل الطاء وهو حب النفس . ( حتى بلغ مني الجهد ) بفتح الجيم ونصب الدال أي بلغ الغط مني الجهد أي غاية وسعي ، فهو مفعول حذف فاعله . وفي شرح المشكاة أن المعنى على النصب أن جبريل بلغ في الجهد غايته ، وتعقبه التوربشتي بأنه يعود المعنى إلى جبريل غطه حتى استفرغ قوته وجهد جهده بحيث لم تبق فيه بقية ، قال : وهذا قول غير سديد فإن البنية البشرية لا تستدعي استنفاد القوة الملكية لا سيما في مبدأ الأمر ، وقد دلت القصة على أنه اشمأز من ذلك وداخله الرعب ، وحينئذ فمن رواه بالنصب فقد وهم . وأجاب الطيبي بأن جبريل في حال الغط لم يكن على صورته الحقيقية التي تجلى له بها عند سدرة المنتهى ، فيكون استفراغ جهده بحسب الصورة التي تجلى له بها وغطه وحينئذ فيضمحل الاستبعاد انتهى . ويروى الجهد بالضم والرفع أي بلغ مني الجهد مبلغه فهو فاعل بلغ . ( ثم أرسلني ) أي أطلقني . ( فقال : اقرأ . قلت ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي فقلت : ( ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ) بالفتح والنصب وبالضم والرفع كسابقه . ( ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ) وهذا الغط ليفرّغه عن النظر إلى أمور الدنيا ويقبل بكنيته إلى ما يلقى إليه . وكرره للمبالغة واستدل به على أن المؤدب لا يضرب صبيًّا أكثر من ثلاث ضربات . وقيل : الغطة الأولى ليتخلى عن الدنيا ، والثانية ليتفرغ لما يوحى إليه ، والثالثة للمؤانسة ، ولا يذكر الجهد هنا ، نعم هو ثابت عنده في التفسير - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - وعدّ بعضهم هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام ، إذ لم يناقل عن أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه جرى له عند ابتداء الوحي إليه مثله . ( ثم أرسلني فقال : اقرأ باسم ربك الذي خلق ) . قال الطيبي : هذا أمر بإيجاد القراءة مطلقًا ، وهو لا يختص بمقروء دون مقروء ، فقوله : باسم ربك حال . أي اقرأ مفتتحًا باسم ربك ، أي قل بسم الله الرحمن الرحيم . وهذا يدل على أن البسملة