أحمد بن محمد القسطلاني
60
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
السلام فإنه صواب قطعًا وهو قريب من سابقه ، إلاّ أن هذا مسبب عن النظر والاجتهاد ، لكن يعكر عليه أن ظاهر كلام الأصوليين أن اجتهاده عليه الصلاة والسلام والوحي قسمان ومجئ ملك الجبال مبلغًا له عن الله تعالى أنه أمره أن يطيعه . وفي تفسير ابن عادل أن جبريل نزل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربعة وعشرين ألف مرة ، وعلى آدم اثنتي عشرة مرة ، وعلى إدريس أربعًا ، وعلى نوح خمسين ، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة ، وعلى موسى أربعمائة ، وعلى عيسى عشرًا كذا قاله والعهدة عليه . ( قالت عائشة رضي الله عنها ) أي وبالإسناد السابق بحذف حرف العطف كما هو مذهب بعض النحاة وصرح به ابن مالك وهو عادة المصنف في المسند المعطوف ، وبإثباته في التعليق ، وحينئذ فيكون مسندًا ، ويحتمل أن يكون من تعاليقه ، وتكون النكتة في قول عائشة هذا اختلاف التحمل ، لأنها في الأوّل ، أخبرت عن مسألة الحرث ، وفي الثاني عما شاهدته تأييدًا للخبر الأوّل . ونفى بعضهم أن يكون هذا من التعاليق ولم يقم عليه دليلاً . وتعقب الحذف بأن الأصل في العطف أن يكون بالأداة . وما نص عليه ابن مالك غير مشهور وخلاف ما عليه الجمهور . ومقول عائشة ( ولقد رأيته ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، والواو للقسم واللام للتأكيد أي : والله لقد أبصرته ( ينزل ) بفتح أوّله وكسر ثالثه ، ولأبي ذر والأصيلي ينزل بالضم والفتح ( عليه ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( الوحي في اليوم الشديد البرد ) الشديد صفة جرت على غير من هي له لأنه صفة البرد لا اليوم ( فيفصم ) بفتح المثناة التحتية وكسر الصاد ، ولأبوي ذر والوقت فيفصم بضمها وكسر الصاد من أفصم الرباعيّ وهي لغة قليلة ، وقال في الفتح ويروى بضم أوّله وفتح الصاد على البناء للمجهول ، وهي في اليونينية أيضًا أي يقلع ( عنه ، وإن جبينه ليتفصد ) بالفاء والصاد المهملة المشدّدة أي ليسيل ( عرقًا ) بفتح الرأء من كثرة معاناة التعب والكرب عند نزول الوحي ، إذ أنه أمر طارىء زائد على الطباع البشرية ، وإنما كان ذلك كذلك ليبلو صبره فيرتاض لاحتمال ما كلفه من أعباء النبوّة . وأما ما ذكر من أن يتقصد بالقاف فتصحيف لم يرو ، والجبين غير الجبهة وهو فوق الصدغ والصدغ ما بين العين والأُذن ، فللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة ، والمراد والله أعلم أن جبينيه معًا يتفصدان . فإن قلت : فلم أفرده ؟ أجيب : بأن الإفراد يجوز أن يعاقب التثنية في كل اثنين يغني أحدهما عن الآخر كالعينين والأُذنين . تقول : عينه حسنة وأنت تريد أن عينيه جميعًا حسنتان قاله في المصابيح . والعرق : رشح الجلد . وقال في الإمتاع : جعل الله تعالى لأنبيائه عليهم السلام الانسلاخ من حالة البشرية إلى حالة الملكية في حالة الوحي ، فطرة فطرهم عليها ، وجبلة صوّرهم فيها ونزّههم عن موانع البدن وعوائقه ما داموا ملابسين لها بما ركب في غرائزهم من العصمة والاستقامة ، فإذا انسلخوا عن بشريتهم وتلقوا في ذلك ما يتلقونه عاجوا على المدارك البشرية لحكمة التبليغ للعباد ، فتارة يكون الوحي كسماع دوي كأنه رمز من الكلام يأخذ منه المعنى الذي ألقي إليه . فلا ينقضي الدوي إلا وقد وعاه وفهمه . وتارة يتمثل له الملك الذي يلقى إليه رجلاً فيكلمه ويعي ما يقوله . والتلقي من الملك والرجوع إلى البشرية وفهمه ما ألقي إليه كله كأنه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر ، ولذا سمي وحيًا لأن الوحي في اللغة الإسراع كما مرّ . وفي التعبير عن الوعي في الأولى بصيغة الماضي وفي الثانية بالمضارع لطيفة من البلاغة ، وهي أن الكلام جاء مجيء التمثيل لحالتي الوحي ، فتمثلت حالته الأولى بالدوي الذي هو غير كلام . وإخبار أن الوعي والفهم يتبعه عقب انقضائه عند تصوير انفصال العبارة عن الوحي بالماضي المطابق للانقضاء والانقطاع . وتمثل الملك في الحالة الثانية برجل يخاطبه ويتكلم : فناسب التعبير بالمضارع المقتضي للتجدّد وفي حالتي الوحي على الجبلة صعوبة وشدة ، ولذا كان يحدث عنه في تلك الحالة من الغيبة والغطيط ما هو معروف ، لأن الوحي مفارقة البشرية إلى الملكية فيحدث عنه شدة من مفارقة الذات ذاتها ، وقد يفضي بالتدريج شيئًا فشيئًا إلى بعض السهولة بالنظر إلى ما قبله ،