أحمد بن محمد القسطلاني

471

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الإسلام ( يا أبا سعيد ) وهو يردّ على من قال : إن المارّ هو الوليد بن عقبة لأن أباه عقبة قتل كافرًا . وقوله ما مبتدأ وخبره لك ولابن أخيك عطف عليه بإعادة الخافض ( قال ) أبو سعيد رضي الله عنه : ( سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه ) قال القرطبي رحمة الله عليه بالإشارة ولطيف المنع ( فإن أبى فليقاتله ) بكسر اللام الجازمة وسكونها . قال النووي رحمة الله عليه : لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع ، بل صرّح أصحابنا رحمهم الله تعالى بأنه مندوب . نعم قال أهل الظاهر بوجوبه ، ونقل البيهقي عن الشافعي رحمهما الله تعالى أن المراد بالمقاتلة دفع أشد من الدفع الأول . وقال أصحابنا : يرده بأسهل الوجوه فإن أبى فبأشد ولو أدّى إلى قتله فقتله فلا شيء عليه ، لأن الشّارع أباح له مقاتلته ، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها وليس المراد المقاتلة بالسلاح ولا بالمشي إليه ، بل والمصلي بمحله بحيث تناله يده ولا يكون عمله في مدافعته كثيرًا ( فإنما هو شيطان ) أي إنما فعله فعل شيطان ، وإطلاق الشيطان على مارد الإنس سائغ على سبيل المجاز والحصر بإنما للمبالغة ، فالحكم للمعاني لا للأسماء لأنه يستحيل أن يصير المارّ شيطانًا بمروره بين يدي المصلي . ورواة هذا الحديث الثمانية بصريون إلا أبا صالح فإنه مدني ، وآدم فإنه عسقلاني ، وفيه التحويل والتحديث والعنعنة والقول والرؤية ، ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في صفة إبليس لعنة الله عليه ، ومسلم وأبو داود في الصلاة . 101 - باب إِثْمِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي ( باب إثم المارّ بين يدي المصلي ) . 510 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي ، فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ . قَالَ أَبُو النَّضْرِ : لاَ أَدْرِي أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) الإمام رضي الله عنه ( عن أبي النضر ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة سالم بن أبي أمية ( مولى عمر بن عبيد الله ) بضم العين فيهما ( عن بسر بن سعيد ) بضم الموحدة وسكون المهملة وكسر العين الحضرمي المدني . ( أن زيد بن خالد ) الأنصاري الصحابي رضي الله عنه ( أرسله ) أي بسرًا ( إلى أبي جهيم ) بضم الجيم وفتح الهاء عبد الله الأنصاري ( يسأله ماذا سمع من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المارّ بين يدي المصلي ) أي أمامه بالقرب منه مقدار سجوده أو مقدار ثلاثة أذرع بينه وبينه أو رمية بحجر ؟ ( فقال أبو جهيم : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا ) أي الذي ( عليه ) زاد الكشميهني من الإثم . قال في الفتح : وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات غيره ، والحديث في الموطأ وباقي السُّنن والمسانيد والمستخرجات بدونها قال : ولم أرها في شيء من الروايات مطلقًا ، لكن في مصنف ابن أبي شيبة يعني من الإثم فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل البخاري حاشية ، فظنها الكشميهني أصلاً لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ ، بل كان راوية وهي ثابتة في اليونينية من غير عزو ، وجملة ماذا في موضع نصب سادّة مسدّ مفعولي يعلم وجواب لو قوله ( لكان أن يقل ) أي لو يعلم المار ما الذي عليه من الإثم في مروره بين يدي المصلي لكان وقوله ( أربعين خيرًا له ) نصب خبر كان وفي رواية خير بالرفع اسمها ( من أن يمر ) أي من مروره ( بين يديه ) أي المصلي لأن عذاب الدنيا وإن عظم يسير . قال مالك بالسند السابق : ( قال أبو النضر ) سالم ابن أبي أمية ( لا أدري أقال ) بهمزة الاستفهام ، ولأبي ذر قال أي بسر بن سعيد ( أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة ) وللبزار أربعين خريفًا ، وفي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة مائة عام ، وكل هذا يقتضي كثرة ما فيه من الإثم . وفي هذا الحديث التحديث والإخبار والعنعنة وتابعي وصحابيان ورجاله ستة ، وأخرجه بقية الستة . 102 - باب اسْتِقْبَالِ الرَّجُلِ صَاحِبَهُ أَوْ غَيْرَهُ فِي صَلاَتِهِ وَهُوَ يُصَلِّي وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلِّي ، وَإِنَّمَا هَذَا إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ . فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشْتَغِلْ فَقَدْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : مَا بَالَيْتُ ، إِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَقْطَعُ صَلاَةَ الرَّجُل . ( باب استقبال الرجل الرجل وهو ) أي والحال أنه ( يصلّي ) وفي هامش الفرع باب استقبال الرجل وهو يصلّي ، وللأربعة : هل يكره أم لا أو يفرق بين ما إذا ألهاه أو لا ؟ وفي نسخة الصغاني : استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلّي وكذا في أصل الفرع واليونينية . ( وكره عثمان ) بن عفان رضي الله عنه ( أن يستقبل الرجل ) بضم المثناة