أحمد بن محمد القسطلاني

442

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

لأنهم كانوا مجتهدين ظانّين أنهم يدعونه إلى الجنة ، وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك فلا لوم عليهم في اتباع ظنونهم ، فإن المجتهد إذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر ، وأعيد الضمير عليهم وهم غير مذكورين صريحًا ، لكن وقع في رواية ابن السكن وكريمة وغيرهما ، وثبت في نسخة الصغاني المقابلة على نسخة الفربري التي بخطه : ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم ، والفئة : هم أهل الشام وهذه الزيادة حذفها المؤلّف لنكتة وهي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه لم يسمعها من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما بين ذلك في رواية البزار من طريق داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه ، ولفظه قال أبو سعيد : فحدّثني أصحابي ولم أسمعه من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : " يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية " وإسناده على شرط مسلم لا المؤلّف ، ومن ثم اقتصر على القدر الذي سمعه أبو سعيد من الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دون غيره . ( قال يقول عمار : أعوذ بالله من الفتن ) . واستنبط منه استحباب الاستعاذة من الفتن ، ولو علم المرء أنه يتمسك فيها بالحق لأنها قد تفضي إلى ما لا يرى وقوعه ، وفيه رد على ما اشتهر على الألسنة مما لا أصل له لا تستعيذوا من الفتن أو لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين . ورواة هذا الحديث كلهم بصريون ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه أيضًا في الجهاد والفتن . 64 - باب الاِسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ فِي أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ وَالْمَسْجِدِ ( باب الاستعانة بالنجار والصناع ) بضم الصاد وتشديد النون من عطف العام على الخاص ( في أعواد المنبر والمسجد ) جوّز الحافظ ابن حجر في الترجمة لفًّا ونشرًا مرتبًا ، فقوله في أعواد المنبر يتعلق بالصناع أي في بنائه ، وتعقبه العيني بأن النجار داخل في الصناع وشرط اللف والنشر أن يكون من متعدد . 448 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ : " بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى امْرَأَةٍ أَنْ مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ " . وبه قال : ( حدّثنا قتيبة ) وللأصيلي قتيبة بن سعيد ( قال : حدّثنا عبد العزيز ) بن أبي حازم ( عن أبي حازم ) ولأبوي ذر والوقت حدّثني بالإفراد أبو حازم ( عن سهل ) هو ابن سعد الساعدي رضي الله عنه ( قال ) : ( بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى امرأة ) من الأنصار واسمها عائشة ( أن مري غلامك النجار ) بأقوم أو ميمون أو مينًا بكسر الميم أو قبيصة أو غير ذلك ، وأن مفسرة بمنزلة أي كهي في قوله تعالى : { أن اصنع الفلك } [ المؤمنون : 27 ] وضبب في اليونينية على لفظ أن ( يعمل لي أعوادًا ) أي منبرًا مركبًا منها ( أجلس عليهنّ ) أي الأعواد ، وأجلس بالرفع لأن الجملة صفة لأعواد ويعمل بالجزم جواب الأمر ، ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بلخي ومدني ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة وكذا مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة . 449 - حَدَّثَنَا خَلاَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ : " أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلاَ أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ ؟ فَإِنَّ لِي غُلاَمًا نَجَّارًا . قَالَ : إِنْ شِئْتِ . فَعَمِلَتِ الْمِنْبَرَ " . [ الحديث 449 - أطرافه في : 918 ، 2095 ، 3584 ، 3585 ] . وبه قال : ( حدّثنا خلاد ) هو ابن يحيى بن صفوان السلمي الكوفي نزيل مكة ( قال : حدّثنا عبد الواحد بن أيمن ) بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية وفتح الميم آخره نون الحبشي مولى بني مخزوم ( عن أبي ) أيمن ( عن جابر ) وللأصيلي زيادة ابن عبد الله . ( أن امرأة ) هي المذكورة في حديث سهل ( قالت يا رسول الله ألا ) بتخفيف لام لا النافية بعد همزة الاستفهام ( اجعل لك شيئًا تقعد عليه ) إذا خطبت الناس ( فإن ليس غلامًا نجارًا ) وللكشميهني فإني لي غلام نجار ( قال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لها : ( إن شئت ) عملت ( فعملت ) المرأة ( المنبر ) وهذا إسناد مجازي كإضافتها الجعل ، لأن الجاعل هو الغلام . وأجيب عما في هذين الحديثين من التعارض لأن في حديث سهل أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سأل المرأة ، وفي حديث جابر أنها السائلة باحتمال أنها بدأت بالسؤال ، فلما أبطأ الغلام استنجزها إتمامه لا علم من طيب قلبها بما بذلت من صنعة غلامها أو أرسل إليها ليعرفها ما يصنعه الغلام بصفة للمنبر مخصوصة ، أو أنه لما فوّض إليها الأمر بقوله لها : إن شئت كان ذلك سبب البطء لا أن الغلام كان شرع وأبطأ ولا أنه جهل الصفة . ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين كوفي ومكّي ، وفيه التحديث والعنعنة ، وأخرجه المؤلّف في البيوع وعلامات النبوّة . 65 - باب مَنْ بَنَى مَسْجِدًا 450 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلاَنِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ - عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ ، وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : « مَنْ بَنَى مَسْجِدًا - قَالَ بُكَيْرٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ » . ( باب ) بيان فضل ( من بنى مسجدًا ) وبه قال : ( حدّثنا يحيى بن سليمان ) بضم السين وفتح اللام الجعفي ( قال : حدّثني ) بالإفراد ولابن عساكر حدّثنا ( ابن وهب ) عبد الله