أحمد بن محمد القسطلاني
434
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
باكين ) شفقة وخوفًا من حلول مثل ذلك ، ( فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ) وعند المؤلّف في أحاديث الأنبياء أن يصيبكم أي خشية أن يصيبكم ( ما أصابهم ) من العذاب ، ويصيبكم بالرفع على الاستئناف ، ولا تنافي في بين خوف إصابة العذاب وبين قوله تعالى { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [ الأنعام : 164 ] لأن الآية محمولة على عذاب يوم القيامة ، ووجه الخوف هنا أن البكاء يبعثه على التفكّر والاعتبار ، فكأنه أمرهم بالتفكّر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله على أولئك بالكفر مع تمكينه لهم في الأرض وإمهالهم مدة طويلة ، ثم إيقاع نقمه بهم وشدة عذابه ، فمن مرّ عليهم ولم يتفكّر فيما يوجب البكاء اعتبارًا بأحوالهم ، فقد شابههم في الإهمال ودلّ على قساوة قلبه وعدم خشوعه فلا يأمن أن يجرّه ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم قاله ابن حجر ومن قبله الخطابي . وقد تشاءم عليه الصلاة والسلام بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة ورحل عنها ثم صلّى ، فكراهية الصلاة في مواضع الخشف أولى لأن إباحة الدخول فيها إنما هو على وجه الاعتبار والبكاء ، فمن صلّى هناك لا تفسد صلاته لأن الصلاة موضع البكاء والاعتبار . ورواة هذا الحديث كلهم مدنيون . وفيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في المغازي والتفسير . 54 - باب الصَّلاَةِ فِي الْبِيعَةِ وَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه - : إِنَّا لاَ نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرَ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلِّي فِي الْبِيعَةِ إِلاَّ بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِيل . ( باب ) حكم ( الصلاة في البيعة ) بكسر الباء الموحدة معبد النصارى كالكنائس والصلوات لليهود والصوامع للرهبان والمساجد للمسلمين والكنائس أيضًا للنصارى كالبيعة كما قاله الجوهري ، وبه تحصل المطابقة بين الترجمة وذكر الكنائس الآتي إن شاء الله تعالى في قوله : ( وقال عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنه ) مما وصله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر قال : لما قدم عمر الشام صنع له رجل من النصارى طعامًا وكان من عظمائهم وقال : أحبّ أن تجيبني وتكرمني فقال عمر : ( إنّا لا ندخل كنائسكم ) بكاف الخطاب وللأصيلي كنائسهم بضمير الجمع الغائب ( من أجل التماثيل التي فيها الصور ) جملة اسمية لأن الصور مبتدأ مرفوع خبره فيها أي في الكنائس ، والجملة صلة الموصوف وقعت صفة للكنائس لا للتماثيل لفساد المعنى ، لأن التماثيل هي الصور ، وهذه رواية أبي ذر كما في الفرع ، ووجهه في المصابيح بأن يكون خبر مبدأ محذوف والصلة فعلية أي التي استقرت فيها ووجهه الحافظ ابن حجر بقوله أي أن التماثيل مصوّرة ، قال : والضمير على هذا للتماثيل . وتعقبه العيني فقال : هذا توجيه مَن لا يعرف من العربية شيئًا ، وفي بعض الأصول الصور بالجر على البدل من التماثيل أو عطف بيان ، ويكون الموصول مع صلته صفة للتماثيل . وصرّح ابن مالك بجوازه عطفًا بواو محذوفة ، وللأصيلي والصور بواو العطف على التماثيل ، والمعنى : ومن أجل الصور التي فيها . وفي رواية صحح عليها في الفرع بالنصب على إضمار أعني والتماثيل جمع تمثال بمثناة فوقية فمثلثة وبينه وبين الصورة عموم وخصوص مطلق فالصورة أعمّ من التمثال . ( وكان ابن عباس ) رضي الله عنهما مما وصله البغوي في الجعديات ( يصلّي في البيعة إلاّ بيعة فيها تماثيل ) فلا يصلّي فيها ، وكرهه الحسن البصري ، والمعنى فيه أنها مأوى الشياطين . 434 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الْعَبْدُ الصَّالِحُ - أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ - بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ » . وبه قال : ( حدّثنا محمد ) غير منسوب ، ولابن عساكر محمد بن سلام ، وعزاها في الفتح لابن السكن وهو البيكندي ( قال : أخبرنا ) بالجمع وللأصيلي أخبرني ( عبدة ) بفتح العين وسكون الموحدة واسمه عبد الرحمن بن سليمان ( عن هشام بن عروة عن أبيه ) عروة ( عن عائشة ) . ( أن أُم سلمة ) رضي الله عنهما ( ذكرت لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية ) بالراء وتخفيف المثناة التحتية والرفع ( فذكرت له ) عليه الصلاة والسلام ( ما رأت فيها ) أي في الكنيسة ( من الصور ، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أولئك ) بكسر الكاف خطابًا بالمؤنث ويجوز فتحها ( قوم إذا مات فيهم العبد الصالح ) نبيّ أو غيره ( والرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوّروا فيه ) أي في المسجد ( تلك الصور ) ليتأنسوا بها . وفي رواية تيك بمثناة تحتية بدل اللام في تلك والكاف فيها تكسر وتفتح ، ويؤخذ منه المطابقة