أحمد بن محمد القسطلاني

417

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

قوله فثنى رجليه واستقبل القبلة . واستنبط منه جواز النسخ عند الصحابة وأنهم كانوا يتوقعونه ، وعلى جواز وقوع السهو من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأفعال وعليه عامّة العلماء والنظّار كما قاله الشيخ تقي الدين . ورواته الستة كلهم كوفيون أئمة أجلاء ، وإسناده من أصحّ الأسانيد ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه المؤلّف في النذور ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجة . ولما فرغ المؤلّف من حكم التوجّه إلى القبلة شرع يذكر حكم مَن سها فصلّى إلى غير القبلة فقال : 32 - باب مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ ، وَمَنْ لاَ يَرَى الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَقَدْ سَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَكْعَتَىِ الظُّهْرِ وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ ثُمَّ أَتَمَّ مَا بَقِيَ . ( باب ما جاء في القبلة ) غير ما ذكر ( ومن لا يرى الإعادة ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر : ومن لم يرَ الإعادة ( على من سها فصلّى إلى غير القبلة ) الفاء تفسيرية لأنه تفسير لقوله سها قاله البرماوي كالكرماني وتعقبه العيني فقال فيه بعد ، والأولى أن تكون للسببية كقوله تعالى : { فتصبح الأرض مخضرّة } [ الحج : 63 ] وأصل هذه المسألة في المجتهد في القبلة إذا صلّى به فتيقن الخطأ في الجهة في الوقت أو بعده فإنه يقضي على الأظهر ، والثاني لا يجب القضاء لعذره بالاجتهاد ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وإبراهيم النخعي والثوري ، لأن جهة تحرّيه هي التي خوطب باستقبالها حالة الاشتباه فأتى بالواجب عليه فلا يعيدها ، وقال المالكية يعيد في الوقت المختار وهو مذهب المدوّنة ، وقال أبو الحسن المرداوي من الحنابلة في تنقيح المقنع : ومَن صلّى بالاجتهاد سفرًا فأخطأ لم يعد . أه - . فلو تيقن الخطأ في الصلاة وجب استئنافها عند الشافعية والمالكية ويستدير إلى جهة القبلة ويبني على ما مضى عند الحنفية وهو قول للشافعية ، لأن أهل قباء لما بلغهم نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة استداروا في الصلاة إليها . ( وقد سلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ركعتي الظهر ) وللأصيلي ركعتين من الظهر ( وأقبل على الناس بوجهه ) الشريف ، ( ثم أتمّ ما بقي ) من الركعتين الأخيرتين . وهذا التعليق قطعة من حديث أبي هريرة في قصة اليدين المشهور ، ووجه ذكره في الترجمة أنه عليه الصلاة والسلام بانصرافه وإقباله على الناس بوجهه بعد سلامه كان وهو عند نفسه الشريفة في غير صلاة ، فلما مضى على صلاته كان وقت استدبار القبلة في حكم المصلّي ، فيؤخذ منه أن من اجتهد ولم يصادف القبلة لا يعيد . 402 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : " وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاَثٍ : فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } ، وَآيَةُ الْحِجَابِ ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ " . [ الحديث 402 - أطرافه في : 4483 ، 4790 ، 4916 ] . حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا بِهَذَا . وبه قال : ( حدّثنا عمرو بن عون ) بالنون أبو عثمان الواسطي البزاز بزايين نزيل البصرة ، المتوفى سنة خمس وعشرين ومائتين ( قال : حدّثنا هشيم ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة وسكون المثناة ابن بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة ( عن حميد ) الطويل ( عن أنس ) وللأصيلي أنس بن مالك ( قال ) : ( قال عمر ) بن الخطاب وللأصيلي رضي الله عنه : ( وافقت ربي في ثلاث ) أي وافقني ربي فيما أردت أن يكون شرعًا ، فأنزل القرآن على وفق ما رأيت ، لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه كذا قال العيني كابن حجر وغيره ، لكن قال صاحب اللامع : لا يحتاج إلى ذلك ، فإن مَن وافقك فقد وافقته انتهى . قال في الفتح : أو أشار به إلى حدث رأيه وقدم الحكم ، وقوله في ثلاث أي قضايا أو أمور ولم يؤنّث مع أن الأمر مذكر لأن التمييز إذا لم يكن مذكورًا جاز في لفظ العدد التذكير والتأنيث ، وليس في تخصيصه العدد بالثلاث ما ينفي الزيادة ، فقد روي عنه موافقات بلغت الخمسة عشر : أسارى بدر ، وقصة الصلاة على المنافقين ، وتحريم الخمر . ويحتمل أن يكون ذلك قبل الموافقة في غير الثلاث ، ونوزع فيه لأن عمر أخبر بهذا بعد موته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلا يتجه ما ذكر من ذلك . ( قلت ) ولغير الأربعة فقلت : ( يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلّى ) بين يدي القبلة يقوم الإمام عنده بحذف جواب لو أو هي للتمني فلا تفتقر إلى جواب ، وعند ابن مالك هي لو المصدرية أغنت عن فعل التمني ( فنزلت { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } [ البقرة : 125 ] وآية الحجاب ) برفع آية على الابتداء والخبر محذوف أي كذلك أو على العطف على مقدر أي هو اتخاذ مصلّى ، وآية الحجاب وبالنصب على الاختصاص وبالجرّ عطفًا على مقدّر ، أي اتخاذ مصلّى من مقام إبراهيم وهو بدل من قوله ثلاث