أحمد بن محمد القسطلاني
345
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
فكان ( يأمرني فأتزر ) بفتح الهمزة وتشديد المثناة الفوقية وأنكره أكثر النحاة وأصله فاأتزر بهمزة ساكنة بعد الهمزة المفتوحة ثم المثناة الفوقية بوزن افتعل . قال ابن هشام : وعوام المحدثين يحرّفونه فيقرؤونه بألف وتاء مشددة ولا وجه لأنه افتعل ففاؤه همزة ساكنة بعد همزة المضارعة المفتوحة . وقطع الزمخشري بخطأ الإدغام ، وقد حاول ابن مالك جوازه . وقال : إنه مقصور على السماع كاتكل ، ومنه قراءة ابن محيصن فليؤد الذي اتمن بهمزة وصل وتاء مشددة ، وعلى تقدير أن يكون خطأ فهو من الرواة عن عائشة فإن صح عنها كان حجة في الجواز لأنها من فصحاء العرب ، وحينئذ فلا خطأ . نعم نقل بعضهم أنه مذهب الكوفيين ، وحكاه الصغاني في مجمع البحرين ( فيباشرني ) عليه الصلاة والسلام أي تلامس بشرته بشرتي ( وأنا حائض ) جملة حالية ، وليس المراد المباشرة هنا الجماع إذ هو حرام بالإجماع فمن اعتقد حلّه كفر . 301 - وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَىَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ . قالت عائشة : ( وكان ) عليه الصلاة والسلام ( يخرج رأسه ) من المسجد ( إليَّ ) أي وهي في حجرتها ( وهو معتكف ) في المسجد جملة حالية ( فاغسله وأنا حائض ) جملة حالية أيضًا . ورواة هذا الحديث كلهم إلى عائشة كوفيون وفيه التحديث والعنعنة ورواية تابعي عن تابعي عن صحابية ، وأخرجه المؤلف في آخر الصوم ومسلم في الطهارة وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة . 302 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - هُوَ الشَّيْبَانِيُّ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا . قَالَتْ : وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْلِكُ إِرْبَهُ ؟ تَابَعَهُ خَالِدٌ وَجَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ . وبه قال : ( حدّثنا ) ولأبي ذر أخبرنا ( إسماعيل بن خليل ) وللأصيلي وابن عساكر الخليل باللام للمح الصفة كالحرث والعباس الكوفي الخزاز بالخاء والزايين المعجمات وأولى الزايين مشددة . قال البخاري : جاءنا نعيه سنة خمس وعشرين ومائتين . ( قال : أخبرنا علي بن مسهر ) بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء آخره راء القرشي الكوفي ، المتوفى سنة تسع وثمانين ومائة ( قال : أخبرنا أبو إسحاق ) سليمان بن فيروز التابعي ، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائة ( وهو الشيباني ) بفتح الشين المعجمة وإنما قال هو لينبّه على أنه من قوله لا من قول الراوي عن أبي إسحاق ( عن عبد الرحمن بن الأسود ) التابعي ، المتوفى سنة تسع وتسعين ( عن أبيه ) الأسود بن يزيد ( عن عائشة ) رضي الله عنها ( قالت ) : ( كانت إحدانا ) أي إحدى زوجاته عليه الصلاة والسلام ( إذا كانت حائضًا فأراد رسول الله ) وللأصيلي النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يباشرها ) بملاقاة البشرة للبشرة من غير جماع ( أمرها أن تتّزر ) بتشديد المثناة الفوقية وللكشميهني أن تأتزر بهمزة ساكنة وهي أفصح . وقال في المصابيح على القياس ( في فور ) بفتح الفاء وسكون الواو آخره راء أي في ابتداء ( حيضتها ) قبل أن يطول زمنها ، وفي سنن أبي داود فوح بالحاء المهملة ( ثم يباشرها ) بملامسة بشرته لبشرتها . ( قالت ) عائشة : ( وأيكم يملك إربه ) بكسر الهمزة وسكون الراء ثم موحدة . ورواة أبو ذر فيما حكاه في اللامع بفتح الهمزة والراء ، وصوبه الخطابي والنحاس ، وعزاه ابن الأثير لرواية أكثر المحدثين ومعناه أضبطكم لشهوته أو عضوه الذي يستمتع به ( كما كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويملك إربه ) فلا يخشى عليه ما يخشى على غيره من أن يحوم حول الحمى ، وكان يباشر فوق الإزار تشريعًا لغيره ممن ليس بمعصوم ، وبه استدل الجمهور على تحريم الاستمتاع بما بين سرتها وركبتها بوطء أو غيره ، وفي الترمذي وحسنه أنه سئل عما يحل من الحائض فقال : ما وراء الإزار وهو الجاري على قاعدة المالكية في سد الذرائع ، وذهب كثير من العلماء إلى أن الممنوع هو الوطء دون غيره ، واختاره النووي في التحقيق وغيره وقال به محمد بن الحسن من الحنفية ، ورجحه الطحاوي واختاره أصبغ من المالكية لخبر مسلم : اصنعوا كل شيء إلا النكاح فجعلوه مخصصًا لحديث الترمذي السابق ، وحملوا حديث الباب وشبهه على الاستحباب جمعًا بين الأدلة ، وعند أبي داود بإسناد قوي حديث أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد من الحائض ألقى على فرجها ثوبًا ، واستحسن في المجموع وجهًا ثالثًا أنه إن وثق بترك الوطء لورع أو قلة شهوة جاز الاستمتاع وإلاّ فلا . قال في التحقيق وغيره : فلو وطئ عامدًا عالمًا بالتحريم أو الحيض مختارًا فقد ارتكب كبيرة فيتوب