أحمد بن محمد القسطلاني

341

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ويدل عليه صريحًا قراءة يطهرن بالتشديد بمعنى يغتسلن والتزامًا قوله : ( { فإذا تطهرن فأتوهن } ) فإنه يقتضي تأخر جواز الإتيان عن الغسل . وقال أبو حنيفة إن طهرت لأكثر الحيض جاز قربانها قبل الغسل ( { من حيث أمركم } ) أي المأتي الذي أمركم به وحلّله لكم ( { إن الله يحب التوّابين } ) من الذنوب ( { ويحب المتطهرين } ) [ البقرة : 222 ] المتنزهين عن الفواحش والأقذار كمجامعة الحائض ، والإتيان في غير المأتي ، كذا ذكرت الآية كلها في رواية ابن عساكر ، ولأبوي ذر والوقت : { فاعتزلوا } إلى قوله : { ويحب المتطهرين } وللأصيلي كذلك إلى قوله : { المتطهرين } وفي رواية { ويسألونك عن الحيض } الآية . 1 - باب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْحَيْضِ ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « هَذَا شَىْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ » . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الْحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، قال أبو عبد الله وَحَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَر . هذا ( باب كيف كان بدء الحيض ) أي ابتداؤه ويجوز تنوين باب بالقطع عما بعده وتركه للإضافة لتاليه . ( وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بجر قول ورفعه على ما لا يخفى ( هذا ) أي الحيض ( شيء كتبه الله على بنات آدم ) لأنه من أصل خلقتهن الذي فيه صلاحهن ، ويدل له قوله تعالى : { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } [ الأنبياء : 90 ] المفسر بأصلحناها للولادة بردّ الحيض إليها عند عقرها ، وقد روى الحاكم بإسناد صحيح من حديث ابن عباس : إن ابتداء الحيض كان حوّاء عليها الصلاة والسلام بعد أن أهبطت من الجنة ، قال في الفتح : وهذا التعليق المذكور وصله المؤلف بلفظ شيء من طريق أخرى بعد خمسة أبواب اه - . يعني في باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت . وتعقبه البرماوي فقال : ليس في الباب المذكور شيء ، بل هو الحديث الذي أورده البخاري في هذا الباب فلا حاجة لادّعاء وصله بموضع آخر . نعم لفظه هناك أمر بدل شيء فشئ إما رواية بالمعنى وإما أنه مروي أيضًا اه - . والصواب ما قاله ابن حجر فإنه في الباب المذكور كذلك . نعم قال فيه : فإن ذلك شيء بدل قوله هنا هذا شيء . ( وقال بعضهم ) هو عبد الله بن مسعود وعائشة ( كان أوّل ) بالرفع اسم كان ( ما أرسل الحيض ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول والحيض نائب عن الفاعل ( على ) نساء ( بني إسرائيل ) خبر كان وكأنه يشير إلى حديث عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد صحيح قال : كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا ، فكانت المرأة تتشرف للرجل فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد وعنده عن عائشة نحوه . ( قال أبو عبد الله ) البخاري وسقط لغير أبوي ذر والوقت وابن عساكر قال أبو عبد الله : ( وحديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ( أكثر ) بالمثلثة أي أشمل من قول بعضهم السابق لأنه يتناول نساء بني إسرائيل وغيرهن وقال الداودي ليس بينهما مخالفة ، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم اه - . والمخالفة كما ترى ظاهرة فإن هذا القول يلزم منه أن غير نساء بني إسرائيل لم يرسل عليهن الحيض ، والحديث ظاهر في أن جميع بنات آدم كتب عليهن الحيض إسرائيليات كن أو غيرهن ، وأجاب الحافظ ابن حجر بأنه يمكن أن يجمع بينهما مع القول بالتعميم بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده ، وتعقبه العيني فقال : كيف يقول لا ابتداء وجوده والخبر فيه أوّل ما أرسل وبينه وبين كلامه منافاة ، وأيضًا من أين ورد أن الحيض طال مكثه في نساء بني إسرائيل ، ومن نقل هذا ثم أجاب بأنه يمكن أن الله تعالى قطع حيض نساء بني إسرائيل عقوبة لهن ولأزواجهن لكثرة عنادهم ومضت على ذلك مدّة ، ثم إن الله رحمهم وأعاد حيض نسائهم الذي جعله سببًا لوجود النسل ، فلما أعاده عليهن كان ذلك أوّل الحيض بالنسبة إلى مدة الانقطاع فأطلق الأولية عليه بهذا الاعتبار لأنها من الأمور النسبية . وأجاب في المصابيح بالحمل على أن المراد بإرسال الحيض إرسال حكمه بمعنى أن كون الحيض مانعًا ابتدئ بالإسرائيليات ، وحمل الحديث على قضاء الله على بنات آدم بوجود الحيض كما هو الظاهر منه اه - . ( فائدة ) : الذي يحيض من الحيوانات المرأة والضبع والخفاش والأرنب ، ويقال إن الكلبة أيضًا كذلك ، وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا : الأرنب تحيض وزاد بعضهم الناقة والوزغة . 1 م - باب الأَمْرِ بِالنُّفَسَاءِ إِذَا نُفِسْنَ ( باب الأمر للنساء إذا نفسن ) بفتح النون وكسر الفاء وسكون السين