أحمد بن محمد القسطلاني

335

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الماء موجودًا أو غير ذلك قال أبو حيان رحمه الله : حذف أحد مفعولي رأى وأخواتها عزيز ، وقد قيل في قوله تعالى : { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ } [ آل عمران : 180 ] أي البخل خيرًا لهم ، وأما حذفها جميعًا فجائز اختصارًا ، ومنه قوله تعالى : { أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْب } [ النجم : 35 ] فهو يرى والظاهر أنها هنا بصرية ، وينبني على ذلك أن المرأة إذا علمت أنها أنزلت ولم تره أنه لا غسل عليها ، ولمسلم من حديث أنس أن أم سليم حدّثت أنها سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعائشة عنده فقالت : يا رسول الله المرأة ترى ما يرى الرجل في النام ومن نفسها ما يرى الرجل من نفسه . فقالت عائشة : يا أم سليم فضحت النساء . وعند ابن أبي شيبة فقال : هل تجد شهوة ؟ قالت : لعله قال هل تجد بللاً ؟ قالت : لعلّه فقال : فلتغتسل . فلقيتها النسوة فقلن فضحتنا عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت : والله ما كنت لأنتهي حتى أعلم في حلٍّ أنا أم في حرام . وهذا يدل على أن كتمان ذلك من عادتهن لأنه يدل على شدة شهوتهن ، وإنما أنكرت أم سلمة على أم سليم لكونها واجهت به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، واستدل به ابن بطال على أن كل النساء يحتلمن وعكسه غيره . وقال : فيه دليل على أن بعض النساء لا يحتلمن . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : والظاهر أن مراد ابن بطال الجواز لا الوقوع أي فيهن قابلية ذلك . ورواة حديث الباب الستة مدنيون إلا شيخ المؤلف ، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول وثلاث صحابيات ، وأخرجه الستة واتفق الشيخان على إخراجه من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة ، وقد جاء عن جماعة من الصحابيات أنهن سألت كسؤال أم سلمة منهن : خولة بنت حكيم كما عند النسائي وأحمد وابن ماجة ، وسهلة بنت سهيل كما عند الطبراني ، وبسرة بنت صفوان كما عند ابن أبي شيبة . 23 - باب عَرَقِ الْجُنُبِ ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يَنْجُسُ ( باب عرق الجنب وأن المسلم ) طاهر ( لا ينجس ) ولو أجنب ومن لازم طهارته طهارة عرقه ، وكذا عرق الكافر عند الجمهور . 283 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَهْوَ جُنُبٌ ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ ، فَقَالَ : أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : كُنْتُ جُنُبًا فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ . فَقَالَ : « سُبْحَانَ اللَّهِ ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ » . [ الحديث 283 - طرفه في : 285 ] . وبه قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني ( قال : حدّثنا يحيى ) بن سعيد القطان ( قال : حدّثنا حميد ) بضم الحاء الطويل التابعي ( قال : حدّثنا بكر ) بفتح الموحدة ابن عبد الله بن عمرو بن هلال المزني البصري ( عن أبي رافع ) نفيع بضم النون وفتح الفاء الصائغ بالغين المعجمة البصري ترحل إليها من المدينة ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه . ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لقيه في بعض طريق المدينة ) بالإفراد ولكريمة في بعض طرق المدينة ( وهو جنب ) جملة اسمية حالية من الضمير المنصوب في لقيه . قال أبو هريرة : ( فانخنست منه ) بنون ثم معجمة ثم نون فمهملة أي تأخرت وانقبضت ورجعت ، وفي رواية فانخنس ، ولابن السكن والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر : فانبجست بالموحدة والجيم أي اندفعت ، وللمستملي فانتجست بنون فمثناة فوقية فجيم من النجاسة من باب الافتعال أي اعتقدت نفسي نجسًا ، ( فذهب فاغتسل ) بلفظ الغيبة من باب النقل عن الراوي بالمعنى ، أو من قول أبي هريرة من باب التجريد وهو أنه جرّد من نفسه شخصًا وأخبر عنه وهو المناسب لرواية فانخنس . وفي رواية فذهبت فاغتسلت وهو المناسب لسابقه ، وكان سبب ذهاب أبي هريرة ما رواه النسائي وابن حبان من حديث حذيفة أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا لقي أحدًا من أصحابه ماسحه ودعا له ، فلما ظن أبو هريرة رضي الله عنه أن الجنب ينجس بالجنابة خشي أن يماسه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كعادته فبادر إلى الاغتسال ، ( ثم جاء فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( أين كنت يا أبا هريرة ؟ قال : كنت جنبًا ) أي ذا جنابة لأنه اسم جرى مجرى المصدر وهو الإجناب ، ( فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة ) جملة اسمية حالية من الضمير المرفوع في أجالسك ( فقال ) بالفاء قبل القاف وسقطت في كلام أبي هريرة على الأفصح في الجمل المفتتحة بالقول كما قيل في قوله تعالى : { أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ الشعراء : 10 ] قوم فرعون ألا يتقون قال وما بعدها ، وأما القول مع ضمير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فالفاء سببية رابطة فاجتلبت لذلك ولأبي ذر وابن عساكر والأصيلي قال : ( سبحان الله ) نصب بفعل لازم الحذف