أحمد بن محمد القسطلاني
332
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
( والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر ) بالمد وتخفيف الراء كآدم أو على وزن فعل أي عظيم الخصيتين أي منتفخهما ، ( فذهب مرة ) حال كونه ( يغتسل فوضع ثوبه على حجر ) قال سعيد بن جبير : هو الحجر الذي كان يحمله معه في الأسفار فيتفجر منه الماء ، ( ففرّ الحجر بثوبه فخرج ) وللكشميهني والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر فجمع ( موسى ) أي ذهب يجري جريًا عاليًا ( في أثره ) بكسر الهمزة وسكون المثلثة ، وفي بعد الأصول بفتحهما . قال في القاموس : خرج في أثره وإثره بعده حال كونه ( يقول ) ردّ أو أعطني ( ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر ) مرتين ونصب ثوب بفعل محذوف كما قررناه . ويحتمل أن يكون مرفوعًا بمبتدأ محذوف تقديره هذا ثوبي ، وعلى هذا الثاني المعنى استعظام كونه يأخذ ثوبه فعامله معاملة من لا يعلم كونه ثوبه كي يرجع عن فعله ويرد ، وقوله ثوبي يا حجر الثانية ثابتة للأربعة ، وإنما خاطبه لأنه أجراه مجرى من يعقل لفعله فعله إذ المتحرك يمكن أن يسمع ويجيب ولغير الأربعة ثوبي حجر ، ( حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى ) عليه الصلاة والسلام ، وفيه ردّ على القول بأن ستر العورة كان واجبًا وفيه إباحة النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية إلى ذلك من مداواة أو براءة مما رمي به من العيوب كالبرص وغيره ، لكن الأوّل أظهر ومجرد تستر موسى لا يدل على وجوبه لما تقرر في الأصول أن الفعل لا يدل بمجرده على الوجوب ، وليس في الحديث أن موسى صلوات الله وسلامه عليه أمرهم بالتستر ولا أنكر عليهم التكشّف . وأما إباحة النظر إلى العورة للبراءة مما رمي به من العيوب ، فإنما هو حيث يترتب على الفعل حكم كفسخ النكاح . وأما قصة موسى عليه الصلاة والسلام فليس فيها أمر شرعي ملزم يترتب على ذلك ، فلولا إباحة النظر إلى العورة لما أمكنهم موسى عليه الصلاة والسلام من ذلك ولا خرج مارًّا على مجالسهم وهو كذلك . وأما اغتساله خاليًا فكان يأخذ في حق نفسه بالأكمل والأفضل ، ويدل على الإباحة ما وقع لنبينا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقت بناء الكعبة من جعل إزاره على كتفه بإشارة العباس عليه بذلك ليكون أرفق به في نقل الحجارة ، ولولا إباحته لما فعله لكنه ألزم بالأكمل والأفضل لعلوّ مرتبته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ( فقالوا ) وللأصيلي وابن عساكر وقالوا ( والله ما ) أي ليس ( بموسى من بأس ) اسم ما وحرف الجر زائد ( وأخذ ) عليه الصلاة والسلام ( ثوبه فطفق ) بكسر الفاء الثانية وفتحها وللأصيلي وابن عساكر وطفق أي شرع ( يضرب الحجر ضربًا ) كذا للكشميهني والحموي وللأكثر فطفق بالحجر بزيادة الموحدة أي جعل يضربه ضربًا لما ناداه ولم يطعه . ( فقال ) وللأصيلي وابن عساكر قال ( أبو هريرة ) رضي الله عنه مما هو من تتمة مقول همام فيكون مسندًا أو مقول أبي هريرة فيكون تعليقًا وبالأوّل جزم في فتح الباري : ( والله إنه لندب ) بالنون والدال المهملة المفتوحتين آخره موحدة أي أثر ( بالحجر ستة ) بالرفع على البدلية أي ستة آثار أو بتقدير هي أو بالنصب على الحال من الضمير المستكن في قوله بالحجر ، فإنه ظرف مستقر لندب أي أنه لندب استقر بالحجر حال كونه ستة آثار ( أو سبعة ) بالشك من الراوي ( ضربًا بالحجر ) بنصب ضربًا على التمييز أراد عليه الصلاة والسلام إظهار المعجزة لقومه بأثر الضرب في الحجر ، ولعله أوحي إليه أن يضربه ، ومشي الحجر بالثوب معجزة أخرى ، ودلالة الحديث على الترجمة من حيث اغتسال موسى عليه الصلاة والسلام عريانًا وحده خاليًا من الناس وهو مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا . ورواة هذا الحديث خمسة ، وأخرجه مسلم في أحاديث الأنبياء وفي موضع آخر . 279 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ : يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى ؟ قَالَ بَلَى : وَعِزَّتِكَ ، وَلَكِنْ لاَ غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ » . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ صَفْوَانَ بنِ سُلَيمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا . . . . » . [ الحديث 279 - طرفاه في : 3391 ، 7493 ] . وبالسند السابق أول الكتاب إلى المؤلف قال : حال كونه عاطفًا على هذا السند السابق قوله : ( وعن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( بينا ) بألف من غير ميم ( أيوب ) النبي ابن العوص بن رزاح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم أو ابن رزاح بن روم بن عيص وأمه بنت لوط ، وكان أعبد أهل زمانه وعاش ثلاثًا وستين أو تسعين سنة ومدة