أحمد بن محمد القسطلاني
302
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
بناء على عدم القول بنجاسته ، وهو مذهب أبي حنيفة لأنه لا تحله الحياة عنده ، ومذهب الشافعي أنه نجس لأنه تحلّه الحياة قال تعالى : { قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة } [ يس : 78 ، 79 ] . وعند مالك أنه يطهر إذا ذكي كغيره مما لم يؤكل إذا ذكي فإنه يطهر . ( وقال ) محمد ( بن سيرين وإبراهيم ) النخعي ( لا بأس بتجارة العاج ) ناب الفيل أو عظمه مطلقًا ، وأسقط السرخسي ذكر إبراهيم النخعي كأكثر الرواة عن الفربري ، ثم إن أثر ابن سيرين هذا وصله عبد الرزاق بلفظ : أنه كان لا يرى بالتجارة في العاج بأسًا ، وهو يدل على أنه كان يراه طاهرًا ، لأنه كان لا يجيز بيع النجس ولا المتنجس الذي لا يمكن تطهيره كما يدل له قصته المشهورة في الزيت ، وإيراد المؤلف لهذا كله يدل على أن عنده أن الماء قليلاً كان أو كثيرًا لا ينجس إلا بالتغير كما هو مذهب مالك . 235 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ ، فَقَالَ : « أَلْقُوهَا ، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ » . [ الحديث 235 - أطرافه في : 236 ، 5538 ، 5539 ، 5540 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا إسماعيل ) بن أبي أويس ( قال حدّثني ) بالإفراد ( مالك ) هو ابن أنس إمام دار الهجرة ( عن ابن شهاب ) زاد الأصيلي الزهري ( عن عبيد الله ) بضم العين ( ابن عبد الله ) زاد ابن عساكر ابن عتبة بن مسعود ( عن ابن عباس ) رضي الله عنهما ( عن ميمونة ) أم المؤمنين رضي الله عنها : ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل ) بضم السين مبنيًّا للمفعول ، ويحتمل أن يكون السائل ميمونة ( عن فأرة ) بهمزة ساكنة ( سقطت في سمن ) أي جامد كما عند عبد الرحمن بن مهدي وأبي داود الطيالسي والنسائي فماتت كما عند المؤلف في الذبائح ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( ألقوها ) أي ارموا الفأرة ( وما حولها ) من السمن ( فاطرحوه ) الجميع ( وكلوا سمنكم ) الباقي ويقاس عليه نحو العسل والدبس الجامدين وسقط للأربعة قوله : فاطرحوه وخرج بالجامد الذائب فإنه ينجس كله بملاقاة النجاسة ويتعذر تطهيره ويحرم أكله ولا يصح بيعه . نعم يجوز الاستصباح به والانتفاع به في غير الأكل والبيع ، وهذا مذهب الشافعية والمالكية لقوله في الرواية الأخرى فإن كان مائعًا فاستصبحوا به ، وحرم الحنفية أكله فقط لقوله : انتفعوا به ، والبيع من باب الانتفاع ومنع الحنابلة من الانتفاع به مطلقًا لقوله في حديث عبد الرزاق وإن كان مائعًا فلا تقربوه . ورواة هذا الحديث الستة مدنيون وفيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول ، ورواية صحابي عن صحابية ، وأخرجه المؤلف أيضًا في الذبائح وهو من إفراده عن مسلم ، وأخرجه أبو داود والترمذي وقال : حسن صحيح والنسائي . 236 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ : « خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ » . قَالَ مَعْنٌ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ مَا لاَ أُحْصِيهِ يَقُولُ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ . وبه قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني ( قال : حدّثنا معن ) بفتح الميم وسكون العين آخره نون ابن عيسى أبو يحيى القزاز بالقاف والزايين المعجمتين أولاهما مشددة نسبة لشراء القز المدني ، المتوفى سنة ثمان وتسعين ومائة ( قال : حدّثنا مالك ) الإمام ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن عبيد الله ) بالتصغير ( ابن عبد الله بن عتبة ) بضم العين وسكون المثناة الفوقية ( ابن مسعود عن ابن عباس ) رضي الله عنهما ( عن ميمونة ) رضي الله عنها : ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل ) يحتمل أن السائل هي ميمونة كما يدل عليه رواية يحيى القطان وجويرية عن مالك في هذا الحديث عند الدارقطني ( عن فأرة ) بالهمزة الساكنة ( سقطت في سمن فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( خذوها ) أي الفأرة ( وما حولها ) من السمن ( فاطرحوه ) أي المأخوذ وهو الفأرة وما حولها أي وكلوا الباقي كما صرح به في الرواية السابقة فهو من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم وفيه أنه ينجس ، وإن لم يتغير بخلاف الماء ، والمراد بطرحه أن لا يأكلوه أما الاستصباح فلا بأس به كما مرَّ . وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة . ( قال معن ) القزاز فيما قاله علِي بن المديني بإسناده السابق ( حدّثنا مالك ما لا أحصيه ) بضم الهمزة أي ما لا أضبطه ( يقول عن ابن عباس عن ميمونة ) أي فهو من مسانيد ميمونة برواية ابن عباس كما في الموطأ من رواية يحيى بن يحيى وهو الصحيح ، وقال الذهلي في الزهريات : إنه أشهر وليس هو من مسانيد ابن عباس ، وإن رواه القعنبي وغيره في الموطأ وأسقط أشهب ابن عباس وأسقطه وميمونة يحيى بن بكير وأبو مصعب ، ولهذا الاختلاف على مالك في