أحمد بن محمد القسطلاني
299
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
لأن عكلاً من عدنان وعرينة من قحطان ، والشك من حماد . وقال الكرماني : ترديد من أنس ، وقال الداودي شك من الراوي ، وللمؤلف في الجهاد عن وهب عن أيوب أن رهطًا من عكل ولم يشك ، وله في الزكاة عن شعبة عن قتادة عن أنس أن أناسًا من عرينة ولم يشك أيضًا ، وكذا لمسلم ، وفي المغازي عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن ناسًا من عكل وعرينة بالواو العاطفة . قال الحافظ ابن حجر : وهو الصواب . ويؤيده ما رواه أبو عوانة والطبري من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس قال : كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل . فإن قلت : هذا مخالف لا عند المؤلف في الجهاد والدّيات أن رهطًا من عكل ثمانية . أجيب : باحتمال أن يكون الثامن من غير القبيلتين ، وإنما كان من أتباعهم ، وقد كان قدومهم على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما قاله ابن إسحاق بعد قرد ، وكانت في جمادى الأولى سنة ست ، وذكرها المؤلف بعد الحديبية وكانت في ذي القعدة منها . وذكر الواقدي أنها كانت في شوّال منها ، وتبعه ابن حبان وابن سعد وغيرهما ، وللمؤلف في المحاربين أنهم كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل . ( فاجتووا المدينة ) بالجيم وواوين أي أصابهم الجوى وهو داء الجوف إذا تطاول أو كرهوا الإقامة بها لما فيها من الوخم ، أو لم يوافقهم طعامها . وللمؤلف من رواية سعيد عن قتادة في هذه القصة فقالوا : يا نبي الله إنّا كنّا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف ، وله في الطب من رواية ثابت عن أنس أن ناسًا كان بهم سقم قالوا يا رسول الله آوِنا وأطعمنا ، فلما صحوا قالوا : إن المدينة وخمة والظاهر أنهم قدموا سقامًا من الهزال الشديد والجهد من الجوع مصفرة ألوانهم ، فلما صحوا من السقم أصابهم من حمى المدينة فكرهوا الإقامة بها . ولمسلم عن أنس وقع بالمدينة الموم بضم الميم وسكون الواو وهو ورم الصدر فعظمت بطونهم ، فقالوا : يا رسول الله إن المدينة وخمة ( فأمرهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بلقاح ) بلام مكسورة جمع لقوح وهي الناقة الحلوب كقلوص وقلاص أي أمرهم أن يلقحوا بها . وعند المصنف في رواية همام عن قتادة فأمرهم أن يلحقوا براعيه ، وعند أبي عوانة أنهم بدؤوا بطلب الخروج إلى اللقاح فقالوا : يا رسول الله قد وقع هذا الوجع فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل . وللمؤلف من رواية وهيب أنهم قالوا : يا رسول الله أبغنا رسلاً أي اطلب لنا لبنًا . قال : " ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود " وعند ابن سعد أن عدد لقاحه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان خمس عشرة ، وعند أبي عوانة كانت ترعى بذي الجدر بالجيم وسكون الدال المهملة ناحية قباء قريبًا من عين على ستة أميال من المدينة . ( و ) أمرهم عليه الصلاة والسلام ( أن يشربوا ) أي بالشرب ( من أبوالها وألبانها فانطلقوا ) فشربوا منهما ( فلما صحوا ) من ذلك الداء وسمنوا ورجعت إليهم ألوانهم ( قتلوا راعي النبي ) وللأصيلي وابن عساكر راعي رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) يسارًا النوبي ، وذلك أنهم لما عدوا على اللقاح أدركهم ومعه نفر فقاتلهم فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات ، كذا في طبقات ابن سعد . ( واستاقوا ) من الاستياق أي ساقوا سوقًا عنيفًا ( النعم ) بفتح النون والعين واحد الأنعام وهي الأموال الراعية وأكثر ما يقع على الإبل ، وفي بعض النسخ واستاقوا إبلهم ( فجاء الخبر ) عنهم ( في أول النهار فبعث ) رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( في آثارهم ) أي وراءهم الطلب وهم سرية وكانوا عشرين وأميرهم كرز بن جابر ، وعند ابن عقبة سعيد بن زيد فأدركوا في ذلك اليوم فأخذوا ( فلما ارتفع النهار جيء بهم ) إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهم أسارى ( فقطع ) عليه الصلاة والسلام ( أيديهم ) جمع يد فأما أن يراد بها أقل الجمع وهو اثنان كما هو عند بعضهم لأن لكلٍّ منهم يدين ، وأما أن يراد التوزيع عليهم بأن ينقطع من كل واحد منهم يدًا واحدة والجمع في مقابلة الجمع يفيد التوزيع ، وإسناد الفعل فيه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مجاز ، ويشهد له ما ثبت في رواية الأصيلي وأبي الوقت والحموي والمستملي والسرخسي ، فأمر بقطع ، وفي فرع اليونينية فأمر فقطع أي أمر