أحمد بن محمد القسطلاني

280

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

لكن بشرط أن يعتم بعد كمال الطهارة ومشقة نزعها بأن تكون محنكة كعمائم العرب ، لأنه عضو يسقط فرضه في التيمم ، فجاز المسح على حائله كالقدمين ، ووافق الإمام أحمد على ذلك الأوزاعي والثوري وأبو ثور وابن خزيمة . وقال ابن المنذر : إنه ثبت عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام قال : " إن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا " واحتج المانعون بقوله تعالى : { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُم } [ المائدة : 6 ] . ومن مسح على العمامة لم يمسح على رأسه ، وأجمعوا على أنه لا يجوز مسح الوجه في التيمم على حائل دونه فكذلك الرأس . وقال الخطابي : فرض الله مسح الرأس ، والحديث في مسح العمامة محتمل للتأويل فلا يترك المتيقن للمحتمل . قال : وقياسه على مسح الخف بعيد لأنه يشق نزعه بخلافها اه - . وأجيب بأن الآية لا تنفي الاقتصار على المسح عليها لا سيما عند من يحمل الشترك على حقيقته ومجازه لأن من قال : قبّلت رأس فلان يصدق ولو كان على حائل ، وبأن الذين أجازوا الاقتصار على مسحها شرطوا فيه المشقة في نزعها كما في الخف ، وقد مرَّ ، والتقييد بالعمامة مخرج للقلنسوة ونحوها فلا يجوز الاقتصار في المسح عليها . نعم روي عن أنس رضي الله عنه أنه مسح على القلنسوة وتحصل سُنَّة مسح جميع الرأس عندنا بتكميله على العمامة عند عسر رفعها أو عند عدم إرادة نزعها . وقال الأصيلي فيما حكاه عنه ابن بطال : ذكر العمامة في هذا الحديث من خطأ الأوزاعي لأن شيبان وغيره رووه عن يحيى بدونها ، فوجب تغليب رواية الجماعة على الواحد اه - . وأجيب بأن تفرّد الأوزاعي بذكر العمامة على تقدير تسليمه لا يستلزم تخطئته لأنه زيادة من ثقة غير منافية لغيره فتقبل . ورواة هذا الحديث السبعة ما بين مروزي وشامي ومدني وفيه التحديث والإخبار والعنعنة . ( وتابعه ) بواو العطف وللأصيلي وابن عساكر تابعه بإسقاطها أي تابع الأوزاعي على رواية هذا المتن ( معمر ) أي ابن راشد ( عن يحيى ) ابن أبي كثير ( عن أبي سلمة ) بن عبد الرحمن بن عوف ( عن عمرو ) بالواو بإسقاط جعفر الثابت في السابقة وهذا هو السبب في سياق المؤلف الإسناد ثانيًا ليبيّن أنه ليس في رواية معمر ذكر جعفر بين أبي سلمة وعمرو ( قال : رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) لم يذكر المتن في هذه الرواية ، وهذه المتابعة رواها عبد الرزاق في مصنفه عن معمر بدون ذكر العمامة وهي مرسلة ، لكن أخرجها ابن منده في كتاب الطهارة له من طريق عمر بإثباتها وأبو سلمة لم يسمع من عمرو بل من ابنه جعفر فالمتابعة مرسلة . 49 - باب إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَان هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا أدخل رجليه ) في الخفين ( وهما طاهرتان ) من الحدث . 206 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ : « دَعْهُمَا ، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ » . فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا . وبالسند قال : ( حدّثنا أبو نعيم ) الفضل بن دكين ( قال : حدّثنا زكريا ) ابن أبي زائدة الكوفي ( عن عامر ) هو ابن شراحيل الشعبي التابعي . قال الحافظ ابن حجر : وزكريا مدلس ولم أره من حديثه إلا بالعنعنة ، لكن أخرجه الإمام أحمد عن يحيى القطان عن زكريا والقطان لا يحمل عن شيوخه المدلسين إلا ما كان مسموعًا لهم صرّح بذلك الإسماعيلي انتهى . ( عن عروة بن المغيرة عن أبيه ) المغيرة بن شعبة رضي الله عنهم ( قال ) : ( كنت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفر ) في رجب سنة تسع في غزوة تبوك ( فأهويت ) أي مددت يدي أو قصدت أو أشرت أو أومأت ( لأنزع خفّيه ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فقال : دعهما ) أي الخفين ( فإني أدخلتهما ) أي الرجلين حال كونهما ( طاهرتين ) من الحدثين ، وللكشميهني وهما طاهرتان جملة اسمية حالية ، ولأبي داود فإني أدخلت القدمين الخفّين وهما طاهرتان الحديث . ثم أحدث عليه الصلاة والسلام ( فمسح عليهما ) ولابني خزيمة وحبّان أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفّيه أن يمسح عليهما أي من الحدث بعد اللبس لأن وقت المسح يدخل بابتداء الحدث على الراجح ، فاعتبرت مدته منه ، واختار في المجموع قول أبي ثور وابن المنذر أن ابتداء المدة من المسح لأن قوة الأحاديث تعطيه ، وحديث ابني خزيمة وحبان هذا موافق لحديث الباب في الدلالة على اشتراط الطهارة