أحمد بن محمد القسطلاني
254
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
( رسول الله ) بالرفع مفعول نائب عن الفاعل ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بوضوء ) بفتح الواو أي بإناء فيه ماء ليتوضأ به ، وفي رواية ابن المبارك فجاء رجل بقدح فيه ماء يسير ، وروى المهلب أنه كان مقدار وضوء رجل واحد ( فوضع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك الإناء يده وأمر ) عليه الصلاة والسلام ( الناس أن ) أي بأن ( يتوضؤوا ) أي بالتوضؤ ( منه ) أي من ذلك الإناء . ( قال ) أنس رضي الله عنه : ( فرأيت ) أي أبصرت ( الماء ) حال كونه ( ينبع ) بتثليث الموحدة أي يخرج ( من تحت ) وفي رواية يفور من بين ( أصابعه ) فتوضؤوا ( حتى توضؤوا من عند آخرهم ) أي توضأ الناس ابتداء من أوّلهم حتى انتهوا إلى آخرهم ، ولم يبق منهم أحد ، والشخص الذي هو آخرهم داخل في هذا الحكم لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة لأن ( عند ) هنا تجعل لمطلق الظرفية حتى تكون بمعنى " في " كأنه قال : حتى توضأ الذين هم في آخرهم ، وأنس داخل فيهم إذا قلنا يدخل المخاطب بكسر الطاء في عموم خطابه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا ، وهو مذهب الجمهور . وقال بعضهم : حتى حرف ابتداء يستأنف بعده جملة اسمية وفعلية فعلها ماضٍ نحو حتى عفوا وحتى توضؤوا ومضارع نحو : حتى يقول الرسول في قراءة نافع ومن للغاية لا للبيان خلافًا للكرماني لأنها لا تكون للبيان إلا إذا كان فيما قبلها إبهام ولا إبهام هنا . وبقية المباحث تأتي إن شاء الله تعالى في علامات النبوة ، واستنبط من هذا الحديث استحباب التماس الماء لمن كان على غير طهارة والرد على من أنكر المعجزة من الملاحدة واغترف المتوضئ من الماء القليل وهو من الرباعيات ، ورجاله ما بين تينسي ومدني وبصري وفيه التحديث والإخبار والعنعنة ، وأخرجه المصنف في علامات النبوة ، ومسلم والترمذي في المناقب وقال : حسن صحيح ، والنسائي في الطهارة والله تعالى أعلم . 33 - باب الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَان وَكَانَ عَطَاءٌ لاَ يَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الْخُيُوطُ وَالْحِبَالُ . وَسُؤْرِ الْكِلاَبِ وَمَمَرِّهَا فِي الْمَسْجِدِ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : إِذَا وَلَغَ فِي إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ . وَقَالَ سُفْيَانُ : هَذَا الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ) وَهَذَا مَاءٌ . وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَىْءٌ ، يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ . هذا ( باب ) حكم ( الماء الذي يغسل به شعر الإنسان ) هل هو طاهر أم لا ؟ ( وكان عطاء ) هو ابن أبي رباح فيما وصله محمد بن إسحاق الفاكهي في أخبار مكة بسند صحيح ( لا يرى به ) أي بالشعر ( بأسًا ) وفي رواية ابن عساكر لا يرى بأسًا ( أن يتخذ منها ) أي من الشعور ، وفي رواية ابن عساكر منه أي من الشعر ( الخيوط والحبال ) جمع خيط وحبل ويفرق بينهما بالرقة والغلظ . ( و ) باب ( سؤر الكلاب ) بالهمزة أي بقية ما في الإناء بعد شربها ( وممرها في المسجد ) وفي رواية هنا زيادة وأكلها أي حكم أكلها وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل ، وظاهر صنيع المؤلف القول بالطهارة . ( وقال ) محمد بن مسلم بن شهاب ( الزهري ) فيما رواه الوليد بن مسلم في مصنفه عن الأوزاعي وغيره عنه ، ورواه ابن عبد البر في التمهيد من طريقه بسند صحيح ( إذا ولغ الكلب في إناء ) فيه ماء بأن أدخل لسانه فيه فحركه فيه تحريكًا قليلاً أو كثيرًا ، وفي رواية أبي ذر في الإناء أي والحال أنه ( ليس له ) أي لمريد الوضوء ( وضوء ) بفتح الواو ما يتوضأ به ( غيره ) أي غير ما ولغ الكلب فيه ويجوز في غير النصب والرفع ( يتوضأ به ) أي بالماء الباقي وهو جواب الشرط في إذا ، وفي رواية أبي ذر حتى يتوضأ بها أي بالبقية وفي أخرى منه . ( وقال سفيان ) الثوري ( هذا ) أي الحكم بالتوضؤ به ( الفقه بعينه ) أي المستفاد من القرآن ( يقول الله تعالى ) وفي رواية أبي الوقت لقول الله تعالى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } [ المائدة : 6 ] . وفي رواية القابسي عن أبي زيد المروزي يقول الله " فإن لم تجدوا " وهو مخالف للتلاوة ، والظاهر أن الثوري رواه بالمعنى ، ولعله كان يرى جواز ذلك ، وقد تتبعت كثيرًا من القراءات فلم أر أحدًا قرأ بها ، ووجه الدلالة من الآية أن قوله تعالى : ( ماء ) نكرة في سياق النفي ولا تخص إلا بدليل ، كما قال ( وهذا ) أي المذكور ( ماء ) وفي رواية الأصيلي : فهذا ماء وتنجيسه بولوغ الكلب فيه غير متفق عليه بين أهل العلم ، ( وفي النفس منه شيء ) لعدم ظهور دلالته أو لوجود معارض له من القرآن أو غيره ، وحينئذ ( يتوضأ به ) أي بالماء المذكور وفي رواية منه ( ويتيمم ) لأن الماء الذي يشك فيه لأجل اختلاف العلماء رضي الله عنهم كالعدم فيحتاط للعبادة . 170 - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : قُلْتُ لِعَبِيدَةَ . عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ - أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ - فَقَالَ : لأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا . وبه قال : ( حدّثنا مالك بن إسماعيل ) بن غسان النهدي الحافظ الحجة العابد