أحمد بن محمد القسطلاني

245

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الاستنشاق ، وفي رواية أبي داود وابن المنذر فتمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا ( ثم غسل وجهه ) غسلاً ( ثلاثًا ) وحدّ الوجه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن طولاً ، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأُذن عرضًا . وفيه تأخير غسل الوجه عن السابق كما دلّ عليه العطف بثم المقتضية للمهلة والترتيب احتياطًا للعبادة . لأن اعتبار أوصاف الماء لونًا وطعمًا وريحًا يدرك بالبصر والفم والأنف فظهر سر تقديم المسنون على المفروض ( و ) غسل ( يديه ) كل واحدة ( إلى ) أي مع ( المرفقين ) بفتح الميم وكسر الفاء وبالعكس لغتان مشهورتان غسلاً ( ثلاث مرار ثم مسح برأسه ) وسقط ثم لغير الأربعة ولم يذكر عددًا للمسح كغيره فاقتضى الاقتصار على مرة واحدة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد ، لأن المسح مبني على التخفيف فلا يقاس على الغسل لأنّ المراد منه المبالغة في الإسباغ . نعم روى أبو داود من وجهين صحح أحدهما ابن خزيمة وغيره في حديث عثمان تثليث مسح الرأس والزيادة من العدل مقبولة وهو مذهب الشافعي كغيره من الأعضاء . وأجيب : بأن رواية المسح مرة إنما هي لبيان الجواز . ( ثم غسل رجليه ) غسلاً ( ثلاث مرار إلى ) أي مع ( الكعبين ) وهما العظمان المرتفعان عند مفصل الساق والقدم . ( ثم قال ) عثمان رضي الله عنه ( قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : من توضأ ) وضوءًا ( نحو وضوئي هذا ) أي مثله لكن بين نحو ومثل فرق من حيث إن لفظ مثل يقتضي المساواة من كل وجه إلا في الوجه الذي يقتضي التغاير بين الحقيقتين بحيث يخرجان عن الموحدة ، ولفظ " نحو " لا يقتضي ذلك ، ولعلها استعملت هنا بمعنى المثل مجازًا أو لعله لم يترك مما يقتضي المثلية إلا ما لا يقدح في المقصود قاله ابن دقيق العيد . قال البرماوي في شرح العمدة : وإنما حمل نحو على معنى مثل مجازًا أو على جل المقصود لأن الكيفية المترتب عليها ثواب معين باختلال شيء منها يختل الثواب المترتب بخلاف ما يفعل لامتثال الأمر مثل فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنه يكتفى فيه بأصل الفعل الصادق عليه الأمر انتهى . وقد وقع في بعض طرق الحديث بلفظ مثل كما عند المؤلف في الرقاق ، وكذا عند مسلم وهو معارض لقول النووي إنما قال : نحو وضوئي ولم يقل مثل لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره . نعم علمه عليه الصلاة والسلام بحقائق الأشياء وخفيات الأمور لا يعلمه غيره ، وحينئذ فيكون قول عثمان رضي الله عنه مثل بمقتضى الظاهر . ( ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه ) بشيء من المدنيا كما رواه الحكيم الترمذي في كتاب الصلاة له ، وحينئذ فلا يؤثر حديث نفسه في أمور الآخرة أو يتفكر في معاني ما يتلوه من القرآن ، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجهز جيشه في صلاته ، لكن قال البرماوي في شرح العمدة : ينبغي تأويله أي لكونه لا تعلق له بالصلاة إذ السائغ إنما هو ما يتعلق بها من فهم المتلو فيها أو غيره كما قرره الشيخ عز الدين بن عبد السلام . وقال في الفتح : المراد ما تسترسل النفس معه ويمكن المرء قطعه لأن قوله يحدث يقتضي تكسبًا منه ، فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس ويتعذر دفعه فذلك معفوّ عنه . نعم هو بلا ريب دون من سلم من الكل لأنه عليه الصلاة والسلام إنما ضمن الغفران لمن راعى ذلك بمجاهدة نفسه من خطرات الشيطان ونفيها عنها وتفرغ قلبه ، ولا ريب أن المتجردين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكر الله على قلوبهم يحصل لهم ذلك . وروي عن سعد رضي الله عنه أنه قال : ما قمت في صلاة فحدّثت نفسي فيها بغيرها . قال الزهري رحمه الله : رحم الله سعدًا إن كان لمأمونًا على هذا ما ظننت أن يكون هذا إلا في نبي انتهى . وجواب الشرط قوله : ( غفر له ) بضم الغين مبنيًّا للمفعول ، وفي رواية ابن عساكر غفر الله له ( ما تقدم من ذنبه ) من الصغائر دون الكبائر كما في مسلم من التصريح به ، فالمطلق يحمل على المقيد ، وزاد ابن أو شيبة : وما تأخر ، ويأتي لفظه في باب المضمضة بعون الله تعالى . 160 - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، وَلَكِنْ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ : أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَوْلاَ آيَةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ ؟ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : « لاَ يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ وَيُصَلِّي الصَّلاَةَ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاَةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا » . قَالَ عُرْوَةُ : الآيَةُ : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ } . [ البقرة : 159 ] . ( وعن إبراهيم ) بن سعد السابق أوّل الباب وهو معطوف على قوله حدّثني إبراهيم بن سعد ( قال : قال صالح بن كيسان ) بفتح الكاف وسكون المثناة التحتية ( قال : ابن شهاب ) الزهري . ( ولكن عروة ) بن الزبير بن العوّام ( يحدث عن