أحمد بن محمد القسطلاني

229

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ويجوز فتحها فإن الغرة والتحجيل نشآ عن الفعل بالماء فيجوز أن ينسب إلى كُل منهما . ( فمن استطاع ) أي قدر ( منكم أن يطيل غرته ) بأن يغسل شيئًا من مقدّم رأسه وما يجاوز وجهه زائدًا على القدر الذي يجب غسله لاستيعاب كمال الوجه ، وأن يطيل تحجيله بأن يغسل بعض عضده أو يستوعبها كما روي عن أبي هريرة وابن عمر ( فليفعل ) ما ذكر من الغرة والتحجيل فالمفعول محذوف للعلم به ، ولمسلم فليطل غرّته وتحجيله ، وادّعى ابن بطال وعياض وابن التين اتفاق العلماء على عدم استحباب الزيادة فوق المرفق والكعب ، وردّ بأنه ثبت من فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفعل أبي هريرة . وأخرجه ابن أبي شيبة من فعل ابن عمر بإسناد حسن وعمل العلماء وفتواهم عليه ، وقال به القاضي حسين وغيره من الشافعية والحنفية ، وأما قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم " فالمراد به الزيادة في عدد المرّات أو النقص عن الواجب لا الزيادة على تطويل الغرّة والتحجيل وهما من خواص هذه الأمة لا أصل الوضوء ، واقتصر هنا على الغرّة لدلالتها على الآخر وخصّها بالذكر لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء ، وأوّل ما يقع عليه النظر من الإنسان . وحمل ابن عرفة فمما نقله عنه أبو عبد الله الأبّي الغرّة والتحجيل على أنهما كناية عن إنارة كل الذات لا أنه مقصور على أعضاء الوضوء ، ووقع عند الترمذي من حديث عبد الله بن بسر وصححه " أمتي يوم القيامة غرّ من السجود محجلة من الوضوء " . قال في المصابيح : وهو معارض بظاهر ما في البخاري . 4 - باب لاَ يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ هذا ( باب ) بالتنوين ( لا يتوضأ ) بفتح أوّله ، وفي رواية ابن عساكر باب من لا يتوضأ ( من الشك ) أي لأجله كقوله : وذلك من نبأ جاءني . والشك عند الفقهاء هو التردّد على السواء ( حتى يستيقن ) . 137 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّىْءَ فِي الصَّلاَةِ . فَقَالَ : « لاَ يَنْفَتِلْ - أَوْ لاَ يَنْصَرِفْ - حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا » . [ الحديث 137 - طرفاه في : 177 ، 2056 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا عليّ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابن عبد الله المديني ( قال : حدّثنا سفيان ) بن عيينة ( قال : حدّثنا الزهري ) محمد بن مسلم ( عن سعيد بن المسيب ) بفتح الياء ( وعن عباد بن تميم ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة ابن يزيد الأنصاري المدني عدّه الذهبي في الصحابة وغيره في التابعين ، ووقع في رواية كريمة سقوط واو العطف من قوله وعن عباد وهو خطأ لأنه لا رواية لسعيد بن المسيب عن عباد أصلاً ، وحينئذ فالعطف على قوله عن سعيد بن السيب هو الصحيح لأن الزهري يروي عن سعيد وعباد وكلاهما ( عن عمه ) عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني قتل في ذي الحجة بالحرّة في آخر سنة ثلاث وستين ، له في البخاري تسعة أحاديث . ( أنه شكا ) بالألف أي عبد الله بن زيد كما صرّح به ابن خزيمة ( إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرجل ) بالنصب على المفعولية ، وفي رواية أنه شكي بضم أوّله مبنيًّا للمفعول موافقة لمسلم كما ضبطه النووي رحمه الله تعالى الرجل بالضم ، قال في التنقيح : وعلى هذين الوجهين أي في شكا يجوز في الرجل الرفع والنصب ، وتعقبه البدر الدماميني بأن الوجهين محتملان على الأوّل وحده ، وذلك أن ضمير أنه يحتمل أن يكون ضمير الشأن ، وشكا الرجل فعل وفاعل مفسر للشأن ، ويحتمل أن يعود إلى الراوي وشكا مسند إلى ضمير يعود إليه أيضًا والرجل مفعول به ( الذي يخيل إليه ) بضم المثناة التحتية وفتح المعجمة مبنيًّا لما لم يسمّ فاعله أي يشبه له ( أنّه يجد الشيء ) أي الحدث خارجًا من دبره وهو ( في الصلاة ، فقال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لا ينفتل أو لا ينصرف ) بالجزم فيهما على النهي وبالرفع على النفي ، والشك من الراوي وكأنه من شيخ المؤلف عليّ ( حتى ) أي إلى أن ( يسمع صوتًا ) من دبره ( أو يجد ريحًا ) منه ، والمراد تحقق وجودهما حتى أنه لو كان أخشم لا يشم أو أصم لا يسمع كان الحكم كذلك وذكرهما ليس لقصر الحكم عليهما ، فكل حدث كذلك إلا أنه وقع جوابًا لسؤال ، والمعنى إذا كان أوسع من الاسم أن الحكم للمعنى ، وهذا كحديث إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه إذ لم يرد تخصيص الاستهلال دون غيره من أمارات الحياة كالحركة والنبض ونحوهما ، وهذا الحديث فيه قاعدة لكثير من الأحكام وهي استصحاب اليقين وطرح الشك الطارئ ، والعلماء متفقون على ذلك فمن تيقن