أحمد بن محمد القسطلاني
217
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
( فأبوا أن يضيفوهما ) ولم يجدوا في تلك القرية قرى ولا مأوى وكانت ليلة باردة ( فوجدا فيها ) أي في القرية ( جدارًا ) على شاطئ الطريق وكان سمكه مائتي ذراع بذراع تلك القرية وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع وعرضه خمسون ذراعًا ( يريد أن ينقض ) أي يسقط فاستعيرت الإرادة للمشارفة وإلا فالجدار لا إرادة له حقيقة . وكان أهل القرية يمرون تحته على خوف ( قال الخضر بيده ) أي أشار بها وفي رواية قال فمسح بيده ( فأقامه ) وقيل نقضه وبناه وقيل بعمود عمده به ، وفيه إطلاق القول على الفعل . وفي رواية أبي ذر والمستملي يريد أن ينقض فأقامه ( قال موسى ) وفي رواية غير أبي ذر فقال له موسى أي للخضر ( لو شئث لاتخذت ) بهمزة وصل وتشديد التاء وفتح الخاء على وزن افتعلت من تخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ عند البصريين ، وفي رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر لتخذت أي لأخذت ( عليه أجرًا ) فيكون لنا قوتًا وبلغة على سفرنا ، قال القاضي : كأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه . ( قال ) الخضر لموسى عليه السلام : ( هذا فراق بيني وبينك ) بإضافة الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظرف على الاتّساع والإشارة في قوله هذا إلى الفراق الموعود بقوله : فلا تصاحبني أو تكون الإشارة إلى السؤال الثالث أي هذا الاعتراض سبب للفراق أو إلى الوقت أي هذا الوقت وقت الفراق . ( قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يرحم الله موسى ) إنشاء بلفظ الخبر ( لوددنا ) بكسر الدال الأول وسكون الثانية أي والله لوددنا ( لو صبر ) أي صبره لأنه لو صبر لأبصر أعجب الأعاجيب ( حتى يقص ) على صيغة المجهول ( علينا من أمرهما ) مفعول لم يسم فاعله ، وفي هذه القصة حجة على صحة الاعتراض بالشرع على ما لا يسوغ فيه . ولو كان مستقيمًا في باطن الأمر على أنه ليس في شيء مما فعله الخضر مناقضة للشرع ، فإن نقض لوح السفينة لدفع الظالم عن غصبها ثم إذا تركها أعيد اللوح جائز شرعًا وعقلاً ، ولكن مبادرة موسى بالإنكار بحسب الظاهر وقد وقع ذلك صريحًا عند مسلم ، ولفظه : فإذا جاء الذي يسخرها وجدها منخرقة . وأما قتله الغلام فلعله كان تلك الشريعة . وقد حكى القرطبي عن صاحب العرس والعرائس أن موسى لما قال للخضر : أقتلت نفسًا زاكية اقتلع الخضر كتف الصبي الأيسر وقشر عنه اللحم فإذا في عظم كتفه كافر لا يؤمن بالله أبدًا . وفي مسلم وأما الغلام فطبع يوم طبع كافرًا لا يؤمن بالله ، وأما إقامة الجدار فمن باب مقابلة الإساءة بالإحسان . وهذا الحديث أخرجه البخاري في أكثر من عشرة مواضع ، وفيه رواية تابعي عن تابعي وصحابي عن صحابي ، وفيه التحديث والإخبار بصيغة الإفراد والسؤال . 45 - باب مَنْ سَأَلَ وَهْوَ قَائِمٌ عَالِمًا جَالِسًا هذا ( باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا ) بالنصب صفة لعالمًا المنصوب على المفعولية بسأل ومن موصول والواو للحال ، والمراد جواز فعل ذلك إذا أمنت النفس فيه من الإعجاب وليس هو من باب من يتمثل له الناس قيامًا . 123 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ : أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً . فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ - قَالَ : وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا - فَقَالَ : « مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » . [ الحديث 123 - أطرافه في : 2810 ، 3126 ، 7458 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا عثمان ) بن أبي شيبة ( قال : أخبرني ) بالإفراد وفي رواية حدّثنا ( جرير ) هو ابن عبد الحميد ( عن منصور ) هو ابن المعتمر ( عن أبي وائل ) هو شقيق بن سلمة ( عن أبي موسى ) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه ( قال ) : ( جاء رجل إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال : يا رسول الله ما القتال في سبيل الله ) مبتدأ وخبره وقع مقول القول ، ( فإن أحدنا يقاتل غضبًا ) نصب مفعول له والغضب حالة تحصل عند غليان الدم في القلب لإرادة الانتقام ، ( ويقاتل حمية ) نصب مفعول له أيضًا وهو بفتح الحاء وكسر الميم وتشديد المثناة التحتية وهي الأنفة من الشيء أو المحافظة على الحرم . ( فرفع ) رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( إليه ) أي إلى السائل ( رأسه ) الشريف ( قال ) أبو موسى أو من دونه : ( وما رفع إليه رأسه إلا أنه ) أي السائل ( كان قائمًا ) أي ما رفع لأمر من الأمور إلا لقيام الرجل فإن واسمها وخبرها في تقدير المصدر وفيه جواز وقوف المستفتي لعذر أو لحاجة ( فقال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( من قاتل ) بمقتضى القوّة العقلية ( لتكون ) أي لأن تكون ( كلمة الله ) أي دعوته إلى الإسلام