أحمد بن محمد القسطلاني

200

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

جدّه عند أحمد فكانت مكة في حقه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في تلك الساعة بمنزلة الحل ، ( ثم عادت حرمتها اليوم ) أي تحريمها المقابل للإباحة المفهومة من لفظ الإذن في اليوم المعهود وهو يوم الفتح إذ عود حرمتها كان في يوم صدور هذا القول لا في غيره ( كحرمتها بالأمس ) الذي قبل يوم الفتح . ( وليبلغ الشاهد ) الحاضر ( الغائب ) بالنصب مفعول الشاهد ، ويجوز كسر لام ليبلغ وتسكينها فالتبليغ عن الرسول عليه الصلاة والسلام فرض كفاية . ( فقيل لأبي شريح ) المذكور ( ما قال عمرو ) أي ابن سعيد المذكور في جوابك فقال ( قال ) عمرو ( أنا أعلم منك يا أبا شريح أن مكة ) يعني صح سماعك وحفظك لكن ما فهمت المعنى فإن مكة ( لا تعيذ ) بالمثناة الفوقية والذال المعجمة أي لا تعصم ( عاصيًا ) من إقامة الحدّ عليه وفي رواية إن الحرم لا يعيد بالمثناة التحتية عاصيًا ( ولا فارًّا ) بالفاء والراء المشددة ( بدم ) أي مصاحبًا بدم ومتلبسًا به وملتجئًا إلى الحرم بسبب خوفه من إقامة الحد عليه ( ولا فارًّا بخربة ) أي بسبب خربة وهي بفتح المعجمة وبعد الراء الساكنة موحدة ، ووقع في رواية المستملي تفسيرها فقال : بخربة يعني السرقة ، وفي رواية الأصيلي كما قاله القاضي عياض بخربة بضم الخاء أي الفساد ، وزاد البدر الدماميني الكسر مع إسكان الراء كذلك وقال : على المشهور أي في الراء قال : وأصلها سرقة الإبل وتطلق على كل خيانة انتهى . وقد حاد عمرو عن الجواب وأتى بكلام ظاهره حق ، لكن أراد به الباطل فإن أبا شريح الصحابي أنكر عليه بعث الخيل إلى مكة واستباحة حرمتها بنصب الحرب عليها . فأجاب بأنه لا يمنع من إقامة القصاص وهو الصحيح ، إلا أن ابن الزبير لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيء ، بل هو أولى بالخلافة من يزيد بن معاوية لأنه بويع قبله ، وهو صاحب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في الحج . ورواة هذا الحديث ما بين مصري ومدني وفيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة ، وأخرجه المؤلف في الحج والمغازي ومسلم في الحج ، والترمذي فيه وفي الدّيات ، والنسائي في الحج والعلم والله الموفق . 105 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ : وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ - عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا . أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ » ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ : صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كَانَ ذَلِكَ « أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ » مَرَّتَيْنِ . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب ) أبو محمد الحجبي بفتح الحاء المهملة والجيم والموحدة البصري الثقة الثبت ، المتوفى سنة ثمانٍ وعشرين ومائتين ( قال : حدّثنا حماد ) أي ابن زيد البصري ( عن أيوب ) السختياني ( عن محمد ) هو ابن سيرين ( عن ابن أبي بكرة ) عبد الرحمن ( عن ) أبيه ( أبي بكرة ) نفيع كذا في رواية الكشميهني والمستملي وهو الصواب كما سبق في كتاب العلم من طريق أخرى ، وهو الذي رواه سائر رواة الفربري ، ووقع في نسخة أبي ذر فيما قيده عن الحموي وأبي الهيثم عن الفربري عن محمد عن أبي بكرة فأسقط ابن أبي بكرة كذا قاله أبو علي الغساني ، والصواب الأول قال أبو بكرة حال كونه ( ذكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بضم الذال مبنيًّا للمفعول وفي نسخة مبنيًّا للفاعل ( قال ) وللأصيلي فقال : أي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حجة الوداع أي يوم الحديث السابق في باب رب مبلغ من كتاب العلم ، واقتصر منه هنا على بيان التبليغ إذ هو المقصود فقال : ( فإن ) بفاء العطف على المحذوف كما تقرر ( دماءكم وأموالكم قال محمد ) أي ابن سيرين ( وأحسبه ) أي وأظن ابن أبي بكرة ( قال وأعراضكم ) بالنصب عطفًا على السابق ( عليكم حرام ) أي فإن انتهاك دمائكم وانتهاك أموالكم وانتهاك أعراضكم عليكم حرام . يعني مال بعضكم حرام على بعض لا أن مال الشخص حرام عليه كما دلّ عليه العقل ويدل له رواية بينكم بدل عليكم ( كحرمة يومكم هذا ) وهو يوم النحر ( في شهركم هذا ) ذي الحجة ( ألا ) بالتخفيف ( ليبلغ الشاهد منكم الغائب ) بالنصب على المفعولية وكسر لام ليبلغ الثانية وغينها للساكنين . ( وكان محمد ) يعني ابن سيرين ( يقول صدق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان كذلك ) أي إخباره عليه الصلاة والسلام بأنه سيقع التبليغ فيما بعد فيكون الأمر في قوله : ليبلغ بمعنى الخبر لأن