أحمد بن محمد القسطلاني
184
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
لها سن ولم يتغير لها عقل أنها ( قالت ) : ( أتيت عائشة ) أم المؤمنين رضي الله عنها ( وهي تصلي ) أي حال كون عائشة تصلي ( فقلت : ما شأن الناس ) قائمين مضطربين فزعين ( فأشارت ) عائشة ( إلى السماء ) تعني انكسفت الشمس ( فإذا الناس ) أي بعضهم ( قيام ) لصلاة الكسوف ( فقالت ) أي ذكرت عائشة رضي الله عنها ( سبحان الله ، قلت : آية ) هي أي علامة لعذاب الناس لأنها مقدمة له قال تعالى : { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا } [ الإسراء : 59 ] أو علامة لقرب زمان قيام الساعة ( فأشارت ) عائشة ( برأسها أي نعم ) قالت أسماء ( فقمت ) في الصلاة ( حتى علاني ) بالعين المهملة من علوت الرجل غلبته ، ولكريمة تجلاني بفتح المثناة الفوقية والجيم وتشديد اللام وضبب عليه في الفرع أي علاني ( الغشي ) بفتح الغين وسكون الشين المعجمتين آخره مثناة تحتية مخففة وبكسر الشين وتشديد الياء أيضًا بمعنى الغشاوة وهي الغطاء ، وأصله مرض معروف يحصل بطول القيام في الحر ونحوه وهو طرف من الإغماء ، والمراد به هنا الحالة القريبة منه فأطلقته مجازًا ولهذا قالت : ( فجعلت أصب على رأسي الماء ) أي في تلك الحالة ليذهب ( فحمد الله عز وجل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أثنى عليه ) عطف على حمد من باب عطف العام على الخاص ، لأن الثناء أعمّ من الحمد والشكر والمدح أيضًا ( ثم قال ) عليه الصلاة والسلام : ( ما من شيء لم أكن أريته ) بضم الهمزة أي مما يصح رؤيته عقلاً كرؤية الباري تعالى ويليق عرفًا مما يتعلق بأمر الدين وغيره ( إلا رأيته ) رؤية عين حقيقة حال كوني ( في مقامي ) بفتح الميم الأولى وكسر الثانية . زاد في رواية الكشميهني والحموي هذا خبر مبتدأ محذوف أي هو هذا ، ويؤوّل بالمشار إليه والاستثناء مفرغ متصل فتلغى فيه إلا من حيث العمل لا من حيث المعنى كسائر الحروف نحو : ما جاءني إلا زيد وما رأيت إلا زيدًا وما مررت إلا بزيد ( حتى الجنة والنار ) بالرفع فيهما على أن حتى ابتدائية والجنة مبتدأ محذوف الخبر أي حتى الجنة مرئية والنار عطف عليه والنصب على أنها عاطفة عطفت الجنة على الضمير المنصوب في رأيته ، والجر على أنها جارّة . وكذا قرّروه بالثلاثة وهي ثابتة في فرع اليونينية كهي . وقال الحافظ ابن حجر : رويناه بالحركات الثلاث فيهما ، لكن استشكل البدر الدماميني بالجر بأنه لا وجه له إلا العطف على المجرور المتقدم وهو ممتنع لما يلزم عليه من زيادة من مع المعرفة والصحيح منعه . ( فأوحي ) بضم الهمزة وكسر الحاء ( إليّ أنكم ) بفتح الهمزة مفعول أوحي ناب عن الفاعل ( تفتنون ) تمتحنون وتختبرون ( في قبوركم مثل أو قريبًا ) بحذف التنوين في مثل وإثباته في تاليه ( لا أدري أي ذلك ) لفظ مثل أو قريبًا . ( قالت أسماء ) رضي الله عنها : ( من فتنة المسيح ) بالحاء المهملة لمسحه الأرض أو لأنه ممسوح العين ( الدجال ) الكذاب ، والتقدير مثل فتنة المسيح أو قريبًا منها فحذف ما كان مثل مضافًا إليه لدلالة ما بعده وترك هو على هيئته قبل الحذف كذا وجهه ابن مالك وقال : إنه الرواية المشهورة . وقال عياض : الأحسن تنوين الثاني وتركه في الأوّل ، وفي رواية في الفرع وأصله مثل أو قريب بالنصب من غير ألف بغير تنوين فيهما . قال الزركشي : المشهور في البخاري أي تفتنون مثل فتنة الدجال أو قريب الشبه من فتنة الدجال ، فكلاهما مضاف ، وجملة لا أدري إلى آخرها اعتراض بين المضاف والمضاف إليه مؤكدة لمعنى الشك المستفاد من كلمة أو لا يقال كيف فصل بين المضافين وبين ما أضيفا إليه ، لأن الجملة المؤكدة للشيء لا تكون أجنبية منه ، وإثبات من كما في بعض النسخ وهو الذي في فرع اليونينية بين المضاف والمضاف إليه لا يمتنع عند جماعة من النحاة ولا يخرج بذلك عن الإضافة ، وفي رواية مثلاً أو قريبًا بإثبات التنوين فيهما أي تفتنون في قبوركم فتنة مثلاً من فتنة المسيح أو فتنة قريبًا من فتنة المسيح ، وحينئذ فالأوّل صفة لمصدر محذوف ، والثاني عطف عليه ، وأي مرفوع على الأشهر بالابتداء والخبر . قالت أسماء : وضمير المفعول محذوف أي قالته وفعل الدراية معلق بالاستفهام لأنه من أفعال القلوب وبالنصب مفعول أدري إن جعلت موصولة ، أو قالت