أحمد بن محمد القسطلاني

175

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش ووقع في الماء . { فإني نسيت الحوت } فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت { وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره } قال البيضاوي : وما أنساني ذكره إلا الشيطان فإن أن أذكره بدل من الضمير وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه ، والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها لكنه لما ضري بمشاهدة أمثالها عند موسى وألفها قلَّ اهتمامه بها ، ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة ، وإنما نسبه إلى الشيطان هضمًا لنفسه . ( قال ) موسى ( ذلك ) أي فقدان الحوت ( ما كنا نبغي ) أي الذي نطلبه علامة على وجدان المقصود { فارتدّا على آثارهما } فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه يقصّان ( قصصًا ) أي يتبعان آثارهما اتباعًا أو مقتصّين حتى أتيا الصخرة ( فوجدا خضرًا ) عليه الصلاة والسلام ( فكان من شأنهما ) أي الخضر وموسى ( الذي قصّ الله عز وجل في كتابه ) من قوله تعالى : { قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُك } [ الكهف : 66 ] إلى آخر ذلك والله أعلم . 17 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ » ( باب قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللهمّ علّمه ) أي حفظه أو فهمه ( الكتاب ) أي القرآن ، والضمير يحتمل أن يكون لابن عباس لسبق ذكره في الحديث السابق إشارة إلى أن ما وقع من غلبته للحرّ بن قيس إنما كان بدعائه له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أو استعمل لفظ الحديث الآتي ترجمة إشارة إلى أن ذلك لا يختص جوازه به ، والضمير على هذا الغير المذكور ، وهل يقال لمثل هذا مما سبق في الباب سنده تعليق فيه خلاف . 75 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : « اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ » . [ الحديث 75 - أطرافه في : 143 ، 3756 ، 7270 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا أبو معمر ) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة آخره راء عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج البصري المقعد بضم الميم وفتح العين المنقري الحافظ القدري الموثق من ابن معين ، المتوفى سنة تسع وعشرين ومائتين ( قال : حدّثنا عبد الوارث ) بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري أبو عبيدة البصري ، المتوفى في المحرم سنة ثمانين ومائة . ( قال حدّثنا خالد ) هو ابن مهران الحذاء ولم يكن حذاء ، وإنما كان يجلس إليهم التابعي الموثق من يحيى وأحمد ، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائة ( عن عكرمة ) أبي عبد الله المدني المتكلم فيه لرأيه رأي الخوارج ، نعم اعتمده البخاري في أكثر ما يصح عنه من الروايات ، المتوفى سنة خمس أو ست أو سبع ومائة ( عن ابن عباس ) عبد الله رضي الله عنهما ( قال ) : ( ضمني رسول الله ) وفي رواية لأبي ذر النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) إلى نفسه أو صدره كما في رواية مسدّد عن عبد الوارث ( وقال : اللهمَّ علّمه ) أي عرفه ( الكتاب ) بالنصب مفعول ثانٍ والأوّل الضمير أي القرآن ، والمراد تعليم لفظه باعتبار دلالته على معانيه ، وفي رواية عطاء عن ابن عباس عند الترمذي والنسائي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعا له أن يؤتى الحكمة مرتين . وفي رواية ابن عمر عند البغوي في معجم الصحابة مسح رأسه وقال " اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل " وفي رواية طاوس مسح رأسه وقال : " اللهمّ علّمه الحكمة وتأويل الكتاب " وقد تحققت إجابته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقد كان ابن عباس بحر العلم وحبر الأمة ورئيس المفسرين وترجمان القرآن . 18 - باب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ ؟ هذا ( باب ) بالتنوين ( متى يصح سماع الصغير ) وللكشميهني الصبي ، ومراده أن البلوغ ليس شرطًا في التحمل . 76 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ - وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلاَمَ - وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ فَدَخَلْتُ الصَّفَّ ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَىَّ . [ الحديث 76 - أطرافه في : 493 ، 861 ، 1857 ، 4412 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا إسماعيل بن أبي أُويس ) كما في رواية كريمة ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( مالك ) هو ابن أنس الإمام ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن عبيد الله ) بتصغير العبد ( ابن عبد الله بن عتبة ) بضم العين وسكون المثناة الفوقية وفتح الموحدة ( عن عبد الله بن عباس ) رضي الله عنهما ( قال ) : ( أقبلت ) حال كوني ( راكبًا على حمار أتان ) بفتح الهمزة وبالمثناة الفوقية الأُنثى من الحمير ، ولما كان الحمار شاملاً للذكر والأُنثى خصّصه بقوله : أتان ، وإنما لمن يقل حمارة ، ويكتفى عن تعميم حمار ثم تخصيصه لأن التاء تحتمل الموحدة كذا قاله الكرماني ، لكن تعقبه البرماوي بأن حمارًا مفرد لا اسم جنس جمعي كتمر . وقال العيني : الأحسن في الجواب أن الحمارة قد تطلق على الفرس الهجين كما قاله الصغاني ، فلو قال على حمارة لربما كان يفهم أنه