أحمد بن محمد القسطلاني

172

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الأحنف عنه ( تفقهوا قبل أن تسوَّدوا ) بضم المثناة الفوقية وتشديد الواو أي تصيروا سادة من ساد قومه يسودهم سيادة . قال أبو عبيدة أي تفقهوا وأنتم صغار قبل أن تصيروا سادة فتمنعكم الأنفة عن الأخذ عمن هو دونكم فتبقوا جهالاً ، ولا وجه لمن خصّه بالتزوّج لأن السيادة أعم لأنها قد تكون به وبغيره من الأشياء الشاغلة ، ولا يخفى تكلف من جعله من السواد في اللحية فيكون أمر الشباب بالتفقه قبل أن تسودّ لحيته ، والكهل قبل أن تتحوّل لحيته من السواد إلى الشيب ، وزاد الكشميهني في روايته ( قال أبو عبد الله ) أي المؤلف وفي نسخة وقال محمد بن إسماعيل : ( وبعد أن تسوَّدوا ) وإنما عقب المؤلف السابق بهذا اللاحق ليبين أن لا مفهوم له خوف أن يفهم منه أن السيادة مانعة من التفقه ، وإنما أراد عمر رضي الله عنه أنه قد يكون سببًا للمنع لأن الرئيس قد يمنعه الكبر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلمين . ( وقد تعلم أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في كبر سنّهم ) أورده تأكيدًا للسابق ، وليس قول عمر رضي الله عنه هنا من تمام الترجمة ، نعم قال البرماوي وغير تبعًا للكرماني إلا أن يقال الاغتباط في الحكمة على القضاء لا يكون إلا قبل كون الغابط قاضيًا . قالوا : ويؤوّل حينئذ بمصدر ، والتقدير باب الاغتباط وقول عمر انتهى . وتعقب بأنه كيف يؤوّل الماضي بالمصدر وتأويل الفعل بالمصدر لا يكون إلا بوجود أن المصدرية . 73 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ - عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ - قَالَ : سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا » . [ الحديث 73 - أطرافه في : 1409 ، 7141 ، 7316 ] . وبه قال : ( حدّثنا الحميدي ) أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى المكّي ، المتوفى سنة تسع عشرة ومائتين ( قال : حدّثنا سفيان ) بن عيينة ( قال : حدّثني ) بالإفراد وفي رواية أبوي ذر والوقت حدّثنا ( إسماعيل بن أبي خالد على غير ما ) أي على غير اللفظ الذي ( حدّثناه الزهري ) محمد بن مسلم بن شهاب المسوق روايته عند المؤلف في التوحيد ، والحاصل أن ابن عيينة روى الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد وساق لفظه هنا ، وعن الزهري وساق لفظه في التوحيد ، وسيأتي ما بين الروايتين من التخالف في اللفظ إن شاء الله تعالى . ( قال ) أي إسماعيل بن أبي خالد ( سمعت قيس بن أبي حازم ) بالحاء المهملة والزاي ( قال : سمعت عبد الله بن مسعود ) رضي الله عنه أي كلامه حال كونه ( قال : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . ( لا حسد ) جائز في شيء ( إلا في ) شأن ( اثنتين ) بتاء التأنيث أي خصلتين ، وللمؤلف في الاعتصام اثنين بغير تاء أي في شيئين ( رجل ) بالرفع بتقدير إحدى الاثنتين خصلة رجل ، فلما حذف المضاف اكتسب المضاف إليه إعرابه والجر بدل من اثنين ، وأما على رواية تاء التأنيث فبدل أيضًا على تقدير حذف المضاف أي خصلة رجل لأن الاثنتين معناه كما مرّ خصلتان والنصب بتقدير أعني وهو رواية ابن ماجة ( آتاه الله ) بمدّ الهمزة كاللاحقة أي أعطاه ( مالاً فسلّط ) بضم السين مع حذف الهاء وهي لأبي ذر وعبر بسلط ليدل على قهر النفس المجبولة على الشح ، ولغير أبي ذر فسلطه ( على هلكته ) بفتح اللام والكاف أي إهلاكه بأن أفناه كله ( في الحق ) لا في التبذير ووجوه المكاره . ( ورجل ) بالحركات الثلاث كما مرّ ( آتاه الله الحكمة ) القرآن أو كل ما منع من الجهل وزجر عن القبيح ( فهو يقضي بها ) بين الناس ( ويعلمها ) لهم وأطلق الحسد وأراد به الغبطة وحينئذ فهو من باب إطلاق المسبب على السبب ، ويؤيده ما عند المؤلف في فضائل القرآن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه باللفظ فقال : ليتني أُوتيت مثل ما أُوتي فلان فعملت بمثل ما يعمل ، فلم يتمنّ السلب بل أن يكون مثله أو الحسد على حقيقته ، وخصّ منه المستثنى لإباحته كما خصّ نوع من الكذب بالرخصة ، وإن كانت جملته محظورة فالمعنى هنا لا إباحة في شيء من الحسد إلا فيما كان هذا سبيله أي لا حسد محمود إلا في هذين ، فالاستثناء على الأوّل من غير الجنس ، وعلى الثاني منه كذا قرره الزركشي والبرماوي والكرماني والعيني . وتعقبه البدر الدماميني بأن الاستثناء متصل على الأوّل قطعًا ، وأمّا على الثاني فإنه يلزم على إباحة الحسد في الاثنتين كما صرح به ، والحسد الحقيقي وهو كما تقرر تمنّي زوال نعمة المحسود عنه وصيرورتها إلى الحاسد لا يباح أصلاً ، فكيف يباح تمنّي زوال نعمة الله